منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه دول مجلس التعاون الخليجي: الإمارات، السعودية، قطر، الكويت، البحرين، عُمان، مستهدفة البنية التحتية الحيوية، بذريعة استهداف قواعد عسكرية أمريكية.

في الخليج تنوعت الأهداف بين قواعد عسكرية، ومنشآت نفطية وغازية حيوية، وسفارات، وحتى مرافق مدنية وتجارية. ورغم إننا لا نجد مبرراً لهذا السلوك العدائي الإيراني ضد بلادنا العربية، حيث هناك أعداد من القواعد الأمريكية في جميع الدول غير العربية، المجاورة لإيران، لم تتوجه لها النيران، إلا إن بعض المحللين يرجعون الهدف من وراء هذا القصف المستمر ضد بلدان الخليج هو رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، وإظهار أنه لا يوجد حليف لواشنطن بمنأى عن الهجمات، مما قد يدفع دول الخليج للضغط على أمريكا لوقف التصعيد. أما الخليجيون فلهم رأي آخر في هذا الاستهداف للمعالم التنموية الكبرى، ولمقومات الاقتصاد والأمن والاستقرار والرخاء في المنطقة.

اما دول مجلس التعاون الخليجي، التي وجدت نفسها في موقف صعب للغاية، إذ هي حليفة للولايات المتحدة ولكنها أيضًا جيران لإيران وتسعى لتجنب الحرب، فقد اتخذت موقف الحياد الحذر تحت النار، ورفض الانجرار للحرب. في إشارة إلى أن ما يحدث هو “حرب إيرانية إسرائيلية” وليست “حرب خليجية”، وأن دول المجلس لن تنزلق إلى فخ المواجهة المباشرة التي تخدم أطرافًا أخرى.

ولكن، على الرغم من موقف دول الخليج الحيادي، مع استمرار الاستهداف، واعتراض أنظمة الدفاع الجوي الخليجية مئات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، أعلنت هذه الدول التزامها بحقها في الدفاع عن النفس؛ مع دعوات للحكمة وتوحيد صفوفها لمواجهة أي اعتداء، وحماية نفسها من الانجرار إلى الصراع.

التداعيات الإقليمية والدولية

للحرب الدائرة تداعيات وخيمة على عدة مستويات، تتجاوز الحدود الإيرانية والخليجية، بدءً بصدمة الاقتصاد واضطراب هائل في أسواق الطاقة العالمية، بعد توقف سفن النفط من عبور مضيق هرمز، الممر الأهم عالمياً لشحن النفط، مما يؤدي إلى وقف تدفق حوالي 20 مليون برميل نفط يومياً؛ إضافة إلى إغلاق دولة قطر، إحدى كبرى دول العالم المصدرة للغاز، إنتاجها مؤقتًا، والتزامها بقرار “القوة القاهرة” مع دول خليجية أخرى.

الأمر الآخر هو انفتاح الحرب على جبهات جديدة بدخول حزب الله اللبناني على خط المواجهة بإطلاق صواريخ على إسرائيل، مما جر لبنان إلى دائرة استهداف الغارات الإسرائيلية العنيفة، وأجبر الحكومة اللبنانية على حظر النشاط العسكري للحزب، بجانب إعلان الحوثيين في اليمن استئناف هجماتهم.

أما الخسائر البشرية والمادية والبنية التحتية فإنها فادحة، حيث أسفرت الهجمات عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين والعسكريين في كل الجبهات، وتضررت البنية التحتية الاقتصادية والتراثية والعمرانية.

إلى أين تتجه الأمور؟

الوضع لا يزال في غاية الخطورة ويمكن أن يتخذ منعطفات عدة أهمها هو استمرار الحملة العسكرية الذي أشار الرئيس ترامب بأنها قد تستمر لأسابيع، أو لشهر سبتمبر القادم (أي لمدة 6 أشهر). والمنعطف الآخر هو تغيير النظام في إيران وإحلال الفوضى مكانه، رغم تصريح الرئيس ترامب بعدم السعي إلى هذا التغيير، في الوقت الذي يصدر دعواته للإيرانيين بعكس ذلك. والمنعطف المهم الآخر هو استمرار الانقسام في القيادة الإيرانية، واستمرار استفراد الحرس الثوري المتشدد بالسلطات والقرارات العسكرية، بعيداً عن السلطة السياسية والدبلوماسية، مما يزيد من حالة عدم اليقين، على جميع المستويات.

باختصار، المنطقة تعيش أسوأ أزماتها منذ عقود، حيث تحول الصراع من حرب جوية محدودة إلى مواجهة إقليمية تهدد استقرار وأمن واقتصاد العالم بأسره، مع احساس الكثيرين بعبثية هذه الحرب.

وفي الحقيقة إن “عبثية” هذه الحرب أمر واقعي، نتيجة لتضارب الرؤى والأهداف بين اللاعبين الرئيسيين فيها (الولايات المتحدة وإسرائيل)، وحتى داخل الإدارة الأمريكية نفسها، حيث يبدو الارتباك الأمريكي حاداً، من خلال ما اعترف به مسؤولون وخبراء بأن الإدارة الأمريكية بدت وكأنها “تختلق الأمور أثناء التقدم”، إذ في يوم السبت، حث ترامب الإيرانيين على الاستيلاء على حكومتهم، بينما قال وزير الدفاع هيغسيث في اليوم التالي إنها “ليست حرب تغيير نظام”. وإذا تم حصر أهداف الطرفين، الأمريكي والإسرائيلي، مع الأهداف الشخصية للرئيس ترامب في هذه الحرب، تجتمع مجموعة من التناقضات التي لا تربك العالم فقط، بل تربك حتى الحلفاء والكونغرس الأمريكي.

أما الجدول الزمني المتقلب لمدة الحرب، والذي تراوح حسب تقديرات ترامب بين “يومين أو ثلاثة” إلى “أربعة أو خمسة أسابيع”، أو “لفترة أطول بكثير”، فإنه يظهر غياب خطة واضحة ومحددة لهذا الصراع، الذي يدور في أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيراً على الاقتصاد العالمي.

مَن المستفيد من هذه “العبثية”؟ مما لا شك فيه إن إسرائيل/ نتنياهو هو المستفيد الأكبر حتى الآن. وقد حصل على ما أراده، وهو الحرب الشاملة بمشاركة أمريكا لإنهاء االدور الإيراني، مما يخدم أجندته الأمنية والسياسية ومشروعه في تغيير خريطة الشرق الأوسط.

كما تستفيد الولايات المتحدة من هذه العبثية من خلال المشاركة في إعادة تشكيل المنطقة، رغم الانقسام الداخلي بين رؤية ترامب الشخصية ورؤية المؤسسة الأمنية الأمريكية حول تأمين المصالح دون الانجراف إلى حرب استنزاف.

إذن الشعور بالعبثية ليس وهماً، بل هو انعكاس لصراع حقيقي بين الحسم الإسرائيلي والارتباك الأمريكي… فبينما تسعى إسرائيل لتحقيق أقصى أهدافها (تغيير النظام)، تحاول الإدارة الأمريكية (ولا سيما الرئيس) التوفيق بين رغبته في توجيه ضربة قاضية وتحقيق نصر سريع، وبين وعوده السابقة بعدم الانجرار لحروب استنزاف في الشرق الأوسط. هذا التضارب هو ما يخلق هذه الفوضى في تحديد الأهداف وتحديد المدة الزمنية لهذه الحرب، مما يجعلها تبدو وكأنها تُخاض بلا غاية واضحة.

في الجانب الآخر، ما هو الدور الذي يلعبه حلفاء إيران الآخرون؟

إن مقتل المرشد الإيراني وقادة عسكريين كبار في الضربات الأولى وجه لإيران ضربة موجعة، لكنه فتح الباب أمام دور أكثر خطورة واتساعاً لحلفائها (أذرعها) في المنطقة. هؤلاء الحلفاء، الذين يشكلون ما تسميه إيران “محور المقاومة”، تحولوا بسرعة من قوة ردع إلى أداة هجومية وضغط لتعويض الضعف الذي لحق بإيران وإطالة أمد الصراع.

هذا المحور ليس مجرد مجموعة من الجماعات المتباينة، بل هو شبكة متكاملة صُممت بعناية على مدى أربعة عقود لتكون العمود الفقري للاستراتيجية الإيرانية في مشروعها التوسعي.

تغيرت طريقة عمل هذه الشبكة بشكل جذري من الردع إلى الضغط الموزع، ومن العمل اللامركزي إلى العمل كمركز استراتيجي للثقل الإيراني… وإلى استغلال تعدديتها في الإرباك، والانتشار على مساحات شاسعة تفادياً لأية ضربة قاضية وحاسمة.

تمثل هذه الجماعات بالنسبة لإيران الردع الأساسي والإحتياطي الرئيسي ضد أي هجوم وجودي. وهذا ما جعل إيران اعتبارها “خط أحمر، غير قابل للتفاوض”، مما يفسر اسباب فشل المفاوضات الأخيرة قبل الحرب مباشرة.

في النهاية يرتبط مستقبل هذه الشبكة ارتباطاً وثيقاً بما سيحدث داخل إيران نفسها؛ فإذا تمكن الحرس الثوري من السيطرة على الوضع في طهران وتشكيل قيادة جديدة متشددة، فسيعمل على ضخ المزيد من الموارد لإعادة بناء هذه الجماعات… وفي السيناريو الأسوأ، فإنه في حالة الفوضى أو الصراع على السلطة بين فصائل الحرس الثوري، قد تجد هذه الجماعات نفسها بلا قيادة موحدة أو تمويل، مما يسرّع من انهيارها.  

في خلاصة هذا الجزء من المقال يمكن القول إن ما نشهده الآن هو تحول الصراع من حرب تقليدية ضد دولة إلى حرب استنزاف، لربما تكون طويلة الأمد، ضد شبكة من الجماعات المسلحة، داخل وخارج إيران، وهذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه أمريكا وإسرائيل في المرحلة المقبلة، مما يدفعنا للبحث حول التأثيرات الجيوسياسية (مستقبل إيران ومحورها)، وحول التأثيرات الاقتصادية (الطاقة، الاستثمارات، التجارة)؛ إضافة إلى التداعيات الإقليمية والإجتماعية.

التأثيرات الجيوسياسية: إعادة تشكيل الشرق الأوسط

بحسب المشهد الحالي يمكن الاستشراف بأن مستقبل إيران الداخلي على المحك…

إذ تشير التصريحات الأمريكية، وخاصة دعوة الرئيس ترامب للإيرانيين “لاستعادة حكومتكم”، إلى أن تغيير النظام هو هدف مطروح بقوة… ورغم الغموض الشديد ومحاولة التعتيم على وضع إيران الداخلي، إلا أن المؤشرات تؤكد على السيناريوهات التالية: 1- الجمهورية الاسلامية مقبلة على فترة من الفوضى والصراع على السلطة، مما قد يسرّع من انهيار النظام… أو 2- قد يتمكن الحرس الثوري من فرض السيطرة وتشكيل قيادة جديدة أكثر تشدداً؛ مما يعني أن الخطر لم يزل قائماً؛ أو 3- قد يتقدم السياسيون في إيران بعرض لحماية البلاد من الفوضى والاقتتال في حال انهيار النظام بشكل أو بآخر.

ولكن، رغم جميع السيناريوهات المطروحة، ورغم إن الحرب أحدثت شرخاً كبيراً، لم يحدث من قبل، في جدار الجمهورية الإسلامية، وإن النظام الإيراني مصاب بجروح خطيرة ويواجه أخطر أزمة وجودية في تاريخه، إلا أنه لا يزال على قيد الحياة، والإعلان عن وفاته لا يزال سابقاً لأوانه… وإن تغييره هو طموح أمريكي-إسرائيلي معلن لكن تحقيقه يتطلب أكثر من ضربات جوية.

إن النظام الإيراني اليوم أشبه بمبنى قديم لكن أساساته (الحرس الثوري، المؤسسة الأمنية، شبكة المصالح الاقتصادية) لا تزال متماسكة إلى حد كبير… وقد نرى في المستقبل المنظور تشكيل قيادة جديدة أكثر تشدداً في طهران تحاول لملمة الجروح ومواصلة القتال، في وقت تواجه فيه حرب استنزاف إقليمية وصعوبات اقتصادية خانقة.

تفكك “محور المقاومة”

أما شبكة الحلفاء (ما يُدعى بـ”محور المقاومة”)، التي بنتها إيران لعقود فإنها تواجه أيضاً أخطر اختبار وجودي. إذ مع مقتل المرشد وقطع خط الإمداد البري عبر سوريا (بسبب سقوط نظام الأسد)، أصبح هذا المحور على حافة الانهيار… وفصائل مثل حزب الله في لبنان، الذي خرج من حرب 2024 منهكًا، ستجد صعوبة بالغة في البقاء كقوة إقليمية مؤثرة دون دعم إيراني مباشر.

الدول الخليجية وتقييم التحالفات

أما دول الخليج التي وجدت نفسها في مرمى النيران رغم محاولتها البقاء على الحياد، فإنها تعيش في موقف صعب قد يدفعها إلى إعادة النظر جذرياً في مفهوم أمنها من خلال إعادة تقييم تحالفاتها. وإن التساؤلات حول جدوى الاعتماد الكلي على الضمانات الأمنية الأمريكية، وجدوى سياسة التطبيع مع إسرائيل، ستكون حاضرة بقوة في صنع القرار المستقبلي لهذه الدول.

التأثيرات الاقتصادية

بالنسبة للتأثيرات الاقتصادية فإن التهديد الأكبر والأكثر مباشرة هو احتمالية إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس إنتاج العالم من النفط وأكثر من ثلث الغاز المسال. أي إن أي إغلاق طويل الأمد سيرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية (قد تتجاوز 100-120 دولاراً) ويُحدث صدمة تضخمية في جميع أنحاء العالم.

وحتى لو لم يُغلق المضيق بالكامل، فإن استمرار الحرب سيخنق اقتصاد المنطقة، ويُدخل اقتصادات الخليج في ركود… والتوقعات تشير إلى تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 10-20% بسبب ارتفاع المخاطر، وتشير إلى انخفاض حاد في السياحة قد يصل إلى 30%، وإلى تباطؤ مبيعات العقارات وتعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف التأمين.

أما بالنسبة للتأثيرات الدولية فإنه، وبإيجاز، من المتوقع إن تكون هذه الحرب من أهم عوامل نهاية النظام العالمي القائم…

إذ يرى محللون أن هذه الحرب تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الذي يمنع استخدام القوة ضد سيادة الدول. وإن نجاح هذا النموذج العدواني قد يمثل ضربة قاتلة للنظام العالمي القائم على القوانين، ويفتح الباب أمام عصر جديد من “شريعة الغاب الدولي” حيث تحكم القوة وحدها.

ماذا بعد؟… السيناريوهات المحتملة وتداعياتها على المنطقة

السيناريو الأول والاسوأ، هو احتمالية الفوضى طويلة الأمد إذا انزلقت إيران إلى حرب أهلية أو صراع على السلطة، إذ قد تصبح المنطقة بأكملها (العراق ولبنان وسوريا) أكثر اضطراباً، مع احتمال امتداد الصراع لدول الجوار وتدفق أعداد هائلة من اللاجئين.

والسيناريو الثاني وهو في حال إذا تمكن التحالف الأمريكي- الإسرائيلي من فرض نظام جديد في إيران، فسيواجه مهمة شاقة لإعادة بناء دولة تم تدمير بنيتها التحتية، وسط عدوانية سكانية وعدم استقرار إقليمي (النموذج العراقي)، هذا السيناريو سيكلف تريليونات الدولارات وسيستغرق عقوداً من الزمن.

أما السيناريو الثالث فهو يتحدث عن مستقبل المنطقة في حال نجاح إيران في امتصاص الصدمة والحفاظ على تماسكها الداخلي، بينما تواصل استهداف المصالح الأمريكية عبر وكلائها (الحوثيين، الفصائل العراقية). هذا السيناريو يعني استمرار حرب استنزاف منخفضة الشدة لسنوات، تُبقي المنطقة في حالة من التوتر الدائم وتمنع أي استقرار حقيقي.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *