نشرت مقالي الأول حول الديمقراطية الليبرالية بتاريخ 7 سبتمبر/ أيلول 2019 وبعنوان “عبء الديمقراطية الثقيل.. كيف الخلاص؟” في ظل ظروف الأزمات المالية والاقتصادية المتصاعدة التي بدأت بدول الغرب وهزت دول العالم. ويأتي مقالي هذا في فترة انهيارات اقتصادية وأزمات اجتماعية شديدة تعيشها دول الديمقراطيات الليبرالية في الغرب، ويتفق أغلب المفكرين والسياسيين إنها تتزامن مع فترة التحول الدولي الحرجة، ما بين العهدين الدوليين السابق واللاحق، التي ترسم خطوط المستقبل والمتغيرات القادمة على كافة المستويات والمجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية. ولما للموضوع من أهمية في حياة الشعوب والأنظمة، أطرح هذه الافكار على أمل أن تفرش مساحة للنقاش الفكري والفلسفي الجاد حول رؤية عربية للديمقراطية تتجانس مع ثقافات شعوب المنطقة وتاريخها وواقعها، بعد فشل محاولات عديدة استمرت على مدار القرن العشرين لنسخ الديمقراطيات الغربية وزرعها في واقعنا ونسيجنا الثقافي الذي رفضها كجزء غير متجانس مع ثقافة وتاريخ مجتمعاتنا.
الديمقراطية لرفاه الشعوب
إن إحدى أكبر المفارقات في عصرنا الحاضر هو فشل الديمقراطية الليبرالية في تحقيق هدف الرفاه، أو حتى الرضا، لشعوبها، وهو الهدف الأسمى الذي بدأ الفلاسفة، منظروا الديمقراطية الأولون، بادعائه، ولم تتمكن الدول الرأسمالية من تحقيقه، بعد أن أغرقتها الليبرالية في نفق الاستهلاك، وطغيان رأس المال، وانحدار قيم العدالة، وهيمنة القلة من الأفراد على الثروات، واتساع رقعة الفقر، وتعميق الفجوة بين الطبقات.
بنظرة متوازنة إلى الثورات والاحتجاجات في أوروبا، التي لربما لا تمثل ظاهرة واحدة بقدر ما هي انعكاس لتحديات متنوعة، يمكن التأكيد على الانحدار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي تعيشه أغلب المجتمعات الديمقراطية في الغرب، بدءً بأزمات اقتصادية– اجتماعية حادة، متمثلة في ظاهرة ارتفاع تكاليف المعيشة كقضية تحتل صدارة أسباب الاحتجاجات الشديدة والمتصاعدة، حيث غلاء الطاقة والوقود والغذاء والسكن يضع ضغوطًا هائلة على الطبقات المتوسطة والفقيرة، ويولّد غضبًا شعبيًا عارمًا.
والظاهرة الأكثر خطورة في هذا المنحدر هو اتساع فجوة اللامساواة، متمثلاً في عدم عدالة توزيع الثروات، وفي تراكم أرباح الشركات الكبرى، بينما يعاني عامة الناس من درجات متفاوتة من الفقر والحاجة، مما يغذي الاحتقان والاحتجاجات التي غالبًا ما تستهدف سياسات التقشف (فرنسا)، أو ما يُنظر إليه على أنه إنقاذ لأصحاب رأس المال على حساب عامة الشعب.
توجيه الغضب الشعبي ضد المهاجرين
في الجانب الآخر اتسعت مساحة الاحتقان والاحتجاج مع ازدياد عدم قناعة “الشارع” باستجابة سياسية منصفة، وارتفاع معدل فقدان الثقة في “السلطة”، والنخب الحاكمة، مما أدى إلى ارتفاع قناعة المحتجين بأن الأحزاب التقليدية (يمين ويسار) فشلت في معالجة مشاكلهم اليومية، وإلى اتساع الفجوة بين “الشارع” و”السلطة”، مع قناعة “الشارع” بأن القنوات السياسية التقليدية (الانتخابات) لم تعد معبّرة عن مطالبهم، فكان اللجوء إلى أحزاب اليمين الشعبوية المتطرفة هو الملجأ، بحثاً عن الإنصاف. ومن هنا بدأت الظاهرة الجديدة الأكثر حدة وتطرفاً، وهي ظاهرة استغلال أحزاب اليمين فرصة الغضب الشعبي وتوجيهها ضد المهاجرين، مما يزيد من حدة الاستقطاب والاحتجاجات، ويقصم ظهر الديمقراطية والعدالة المزعومة في هذه المجتمعات.
يدّعي الإعلام إن الاحتجاجات في الغرب ضد سياسات الهجرة واللجوء تعد انعكاساً لانقسامات مجتمعية حادة بين قيم الانفتاح والتعددية من جهة، ومخاوف الهوية والأمن والاستقرار الاجتماعي من جهة أخرى، وفي الحقيقة تكشف هذه الاحتجاجات والانقسامات عن زيف مفهوم التعددية الذي تبنته الديمقراطية الغربية شكلياً، أو تعبير واقعي عن صعوبة إدارة التعددية الثقافية في ظل الأزمات الاقتصادية التي خلقتها الديمقراطية الليبرالية نفسها.
قضايا الحريات والحقوق المدنية
أما في قضايا الحريات والحقوق المدنية، فإن الاحتجاجات ضد القوانين القمعية، على سبيل المثال قوانين “الأمن الشامل” في فرنسا أو في إجراءات كوفيد- 19، هي تعبير صارخ عن مدى انتهاك الحريات الفردية. هذه الاحتجاجات تكشف نقاشًا جوهريًا حول التوازن بين حرية الفرد وسلطة الدولة، ونقاشاً حول الديمقراطية نفسها، قد يؤدي إلى كشف واقع غير ديمقراطي.
تكشف جميع هذه الظواهر بشكل أعمق عن عدم صحة الديمقراطية، متمثلاً في استخدام المحتجين الفوضى والعنف والتدمير للتعبير عن سخطهم، في مقابل غضب وعنف السلطات الأمنية التي استخدمت الضرب والسحل والاعتقال كوسيلة لقمع الاحتجاجات. وبالمجمل تدل كل هذه المظاهر على عدم حيوية المجتمع المدني في الممارسات الديمقراطية خارج صناديق الاقتراع، بل تكشف عن تشققات في “النموذج الأوروبي” الذي ادّعى طويلاً بأنه قائم على الرفاهية والاستقرار واحترام حرية التعبير عن الرأي، بينما هو يترنح تحت ضغوط العولمة والأزمات المتتالية.
أوروبا في عاصفة المرحلة الانتقالية العالمية
إن الاحتجاجات المتصاعدة في أوروبا ليست علامة على “انهيار” نموذج تلك المجتمعات بمظاهرها الديمقراطية، بقدر ما هي عَرَضٌ من أعراض المرحلة الانتقالية العالمية، تبَلوَرَ في صرخة ضد عدم المساواة والبؤس، وتعبير عن الخوف من المستقبل، ونقاش حيوي حول شكل المجتمع الذي يريده الناس… إنها مظاهر تكشف أن المجتمعات الأوروبية، رغم تقدمها، لا تزال تواجه أسئلة أساسية حول العدالة والهوية والاستدامة، وأن الحلول التقليدية لم تعد كافية لشريحة كبيرة من مواطنيها، وإنها تعيش تفاعلات عميقة لتحولات قادمة، مما يأخذ العالم للتساؤل حول مصير الديمقراطية الليبرالية في النظام الدولي الذي سيولد بعد هذا المخاض الطويل؟.
تساؤل يلامس أحد أهم التحولات الجيوسياسية في عصرنا؛ ما هو مصير الديمقراطية الليبرالية في ظل نظام متعدد الأقطاب؟… باختصار يمكن القول إن مصيرها قد لا يكون حتمياً، أي قد لا يكون انتصاراً ولا انهياراً، بل هو مسار صراع وتكيّف، أو انفصال مكونات، أو تراجع، يمكن رصده مع المتغيرات القادمة.
الديمقراطية الليبرالية امام تحديات
كانت الديمقراطية الليبرالية تزدهر في ظل هيمنة الغرب السياسية والاقتصادية والثقافية (نظام الاستعمار)؛ ولكن مع صعود قوى غير ليبرالية، كالصين وروسيا، تظهر نماذج بديلة للنمو والاستقرار بدون ديمقراطية ليبرالية، مما يقلّص من جاذبية النموذج الغربي ويضعها أمام تحدي تآكل فكرة التفوق الذي يدّعيه.
تروّج الصين لنموذج “الديمقراطية الشعبية” مدعومة بنجاحات نهضتها الحضارية الفريدة والقائمة على مبادئ السلم العالمي والمجتمعي وليس الحروب والنزاعات، وعلى انجازات تنموية واقتصادية بارزة تشارك بها دول العالم وليس على الهيمنة على ثروات الشعوب، وتميزت بالاهتمام بالكفاءة في صنع القرار وليس على لغة القوة… إنها نموذج آخر للديمقراطية تعمل بمبادئ العدالة الإنسانية، والقضاء على الفقر؛ في الوقت الذي يبرز البطء والخلافات والشيخوخة في الديمقراطيات الليبرالية القائمة على مبادئ الحروب والهيمنة واللاعدالة وعدم المساواة والتضليل، والمثقلة بالمشاكل الداخلية التي تُضعفها، والاستقطاب السياسي الحاد الذي يشل قدرتها على الحكم، وعدم الثقة الذي يغذي السخط والغضب الشعبي.
إن امتحان المقارنة هذا يُعد أحد أهم التحديات والضغوط التي تؤخذ في الاعتبار عند تحديد، أو استشراف، مصير النموذج الغربي عموماً، ومصير الديمقراطية الليبرالية خصوصاً.
متغيرات النظام الدولي متعدد الأقطاب
ومع المتغيرات القادمة، فإنه في نظام دولي متعدد الأقطاب من المؤكد ستتغير طبيعة السيادة عالمياً، حيث الدول تدافع عن سيادتها المطلقة، وتدافع من أجل نموذج أكثر صرامة لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو مبدأ استثنت دول الغرب نفسها منه في النظام الدولي الأحادي القطب، وأعطت لنفسها الحق في التدخل بادعاء حماية مصالحها وأمنها القومي، وفعّلت سيف التسلط في تهديد الدول وإلغاء سيادتها (أفغانستان والعراق مثالاً).
إن مبدأ عدم التدخل وحق حماية السيادة والحدود يشكلان ضغطاً وتحدياً لمبادئ التدخل التي تمارسها “الديمقراطيات الليبرالية” كسلاح للتهديد، والهيمنة، والاحتلال، والتفوق.
وتعد هذه التحديات الأكثر ضغطاً على مفهوم التفوق الغربي في النظام الدولي متعدد الاقطاب، والأكثر ضغطاً نحو تراجع الدور الغربي في الهيمنة، وتراجع عوامل تفوق النموذج الغربي المستمد من الهمينة السياسية والاقتصادية والثقافية، مما يحدد مفهوم المصير الحتمي للديمقراطية الليبرالية مستقبلاً.
سيناريوهات محتملة للمستقبل
في الحديث عن مستقبل، أو مصير، الديمقراطية الليبرالية في ظل نظام متعدد الأقطاب هناك أكثر من سيناريو يطرحه الأكاديميون والمفكرون في الغرب، وهم لا يتجاهلون التحديات، لكنهم يتجادلون حول أن النظام الديمقراطي الليبرالي يمتلك مرونة وقدرة فريدة على التكيف والإصلاح الذاتي. وفي هذا ظل “جوزيف ناي Joseph Nye”، المفكر والمنظر في العلاقات الدولية، يجادل لعقود بأن قوة الديمقراطيات الليبرالية لا تأتي من القوة العسكرية أو الاقتصادية فقط، بل من “قوة الجذب” النابعة من قيمها “الحرية، حقوق الإنسان، الانفتاح” لمواجهة المنافسين، وعلى الديمقراطيات أن تستثمر في قوتها الناعمة (Soft Power) والدبلوماسية وتعيد بناء مصداقيتها، وتتعاون بشكل أوثق مع حلفاء جدد.
وركّز أولئك المفكرون على سيناريو إصلاحي يُقرأ بمقاييس القدرة على الصمود والتكيف (التجدد) التي قد توازن الأمور ما بين البقاء والإصلاح، إذ تمر الديمقراطية الليبرالية بأزمة ولكن قد تتكيف وتخرج منها أقوى، من خلال: 1- معالجة أوجه القصور الداخلية، (مثال: مكافحة عدم المساواة، إصلاح النظام الانتخابي، تنظيم التكنولوجيا ووسائل الإعلام)؛ 2- بناء تحالفات بين الديمقراطيات، لتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني ووضع معايير مشتركة للتكنولوجيا والتجارة البينية؛ 3- إثبات جدارة النظام الديمقراطي الليبرالي، رغم تعقيده، على إنه الأكثر قدرة على الابتكار، وحماية الحريات، وخلق مجتمعات تعددية.
ولنجاح هذا السيناريو يتطلب تقديم الكثير من التنازلات في النظم الرأسمالية والاجتماعية والاقتصادية التي تأسست عليها مجتمعات الغرب الليبرالية، فهل ياترى هي قادرة على تقديم التنازلات؟؟؟
وفي وسيناريو آخر كتب فريد زكريا في تسعينيات القرن الماضي عن مقاييس التحول وإعادة التشكل، مشيراً إلى الاتجاه نحو انفصال مكونات الديمقراطية الليبرالية عن بعضها، حيث قد تتبنى دول كثيرة الجزء “الديمقراطي” (الانتخابات، التعددية) مع التخلي عن الجزء “الليبرالي” (الحقوق الفردية المطلقة، التعددية الثقافية، العلمانية الصارمة)، وهذا نموذج لـ”الديمقراطية غير الليبرالية” الذي تروج له دول مثل المجر وتركيا (مقال في صحيفة البيان: “لغز الديمقراطية الليبرالية”/ للأكاديميَين داني رودريك، وشارون موكاند 2015).
وهناك سيناريو يأخذ بمقاييس التراجع والاحتواء؛ أي إن الديمقراطية الليبرالية قد تستمر في التراجع لصالح نماذج يمينية سلطوية، شعبوية، داخل دولها نفسها، أو قد تشهد المزيد من دول العالم عصراً جديداً من الديمقراطية غير الليبرالية، مما يعطي للنظام الدولي الجديد زخماً أقوى، كما جاء في الخطاب الشهير لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (2014)، وإعلانه صراحة عن نيته بناء “دولة غير ليبرالية” في المجر، مُستشهداً بنماذج مثل روسيا وتركيا والصين.
وأخيراً قد تُحصر الديمقراطية الليبرالية في قلعة الغرب أو في مجموعة من التحالفات الإقليمية، ممثلة في الولايات المتحدة، أوروبا، أستراليا، وبعض الدول الآسيوية، بينما تسود أنظمة حكم مختلفة في أجزاء أخرى من العالم، مما يجعل العالم منقسماً إلى كتل أيديولوجية، ونظام جديد لحرب باردة، أو ساخنة، جديدة.
في المحصلة لن يحدد العامل الجيوسياسي وحده مصير الديمقراطية الليبرالية بمقدار ما سيكون نتيجة صراع الأفكار والنماذج المتنافسة حول النظام الأكثر إنسانية ومرونة وقدرة على حل المشاكل المعقدة التي تواجه البشرية، وأهمها الفقر واللاعدالة وعدم المساواة، حيث في نظام دولي متعدد الأقطاب ستصبح الديمقراطية الليبرالية خياراً بين عدة خيارات، وليست المصير الحتمي للبشرية كما روّج لذلك فوكوياما في “نظرية نهاية التاريخ”.
