يعد تدفق المعلومات ثورة العصر الحالي، ومن أهم وأخطر سمات وثوابت المجتمع الإنساني المعاصر، ومن المقولات التي قيلت عن أهمية المعلومة هو إن “من يملك المعلومات الصحيحة وفي الوقت المناسب يكون قد مَلَكَ كل عوامل القوة والسيطرة….”، بل أصبح نجاح المؤسسات في المنافسة العالمية مرتبط مباشرة بما تملكه من معلومات ومن قدرات السيطرة والتحكم فيها؛ وإن المعلومات وشبكاتها تعد أهم سلاح في الحروب الاقتصادية، وحتى السياسية، وهي محدد لموازين القوى بين الأمم والأقطاب العالمية في عصرنا الراهن.

“من يملك المعلومات يملك العالم” هي العبارة الأقرب إلى روح عصر ثورة المعلومات الذي نعيشه… عبارة، لا أب لها، ولكنها تتردد كثيراً في سياقات مختلفة، خاصة في عالم الاقتصاد والتكنولوجيا، بينما ينسبها الكثيرون إلى والتر روتشيلد (من عائلة روتشيلد المصرفية المعروفة)، دون دليل موثوق على ذلك، بل بمجرد ارتباط إسم العائلة بقصة معروفة حول استخدام هذا المصرفي خبر انتصار بريطانيا في معركة واترلو (1815م) قبل بثه رسمياً، لجني ثروة طائلة، وقد وصله الخبر عبر شبكة معلومات مالية وسياسية دولية بدأت العائلة ببنائها في القرن التاسع عشر، حيث كانت معلومات الأسواق والأحداث السياسية تمنحهم الأسبقية في اتخاذ القرارات المالية…

وينسب البعض الجذور الفكرية لعبارة “من يملك المعلومة يملك العالم” إلى الفيلسوف ورجل الدولة الإنجليزي فرانسيس بيكون (1561 – 1626)، المعروف بمقولته الشهيرة “المعرفة قوة”، لارتباطها في عالمنا المعاصر بتعريف قوة المعلومات كسلعة استراتيجية أهم من رأس المال التقليدي.

في الجانب العملي يمكن إيجاز بحث طويل حول تاريخ استخدام المعلومة كقوة وسلاح، بما ظهر من حيث المبدأ الأساسي في استراتيجيات عسكرية وسياسية قديمة، عبر العبارة الشهيرة “إعرف عدوك وإعرف نفسك، تنتصر في مائة معركة” للمفكر والفيلسوف الصيني صن تزو في كتابه الشهير (فن الحرب- 500 ق.م).

أما في العصر الحديث فقد أعاد الملياردير روبرت مردوخ صياغة تلك العبارة بقوله “المعلومات هي السلعة الأكثر قيمة في العالم”.

ما يهم في هذه العبارات إنها تعبّر عن فلسفة استراتيجية أكثر من كونها اقتباسًا أدبيًا دقيقًا… وتعبر عن تحويل المعلومات إلى قوة مالية وسياسية، وهي نفس الفكرة التي تُدار بها منصات التكنولوجيا والجيوش السيبرانية اليوم.

تعد ثورة المعلومات في العصر الحالي نموذج للتحول الأهم والأسرع في تاريخ البشرية، بل هي لا تعد مجرد تطور تقني، بقدر ما هي تغيير جذري في نمط الحياة، الاقتصاد، السلطة، وطريقة إدراكنا للذات والعالم… هي انتقال سريع من عالم الصناعة إلى عالم ما بعد الصناعة، بل عصر ثورة المعلومات، حيث البيانات والمعلومات والمعرفة هي المحرك الأساسي للاقتصاد والقوة، محل الآلات والمواد الخام.

يعد الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي من أهم أركان عصر المعلومات الراهن، الذي حوّل العالم إلى “قرية رقمية” حقيقية، حيث التواصل بين أي نقطتين على الأرض بات ممكناً وفورياً وسهلاً… أما الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة فقد جعلت الوصول إلى المعلومات والمعرفة في متناول اليد لأكثر من نصف سكان الكوكب على أقل تقدير… وأعادت وسائل التواصل الاجتماعي صياغة مختلفة لمفهوم “الرأي العام”، بعد أن حوّلت كل فرد إلى منصّة إعلامية مستقلة… مما جعل التحكم في توجهات الرأي العام أكثر كلفة واضطراراً لاتباع وسائل وأدوات خوارزمية تمثل عالم جديد من القمع وانتهاك لحرية التعبير، وأكثر بعداً عن مبادئ الديمقراطية التي لا حضور لها في قواعد السيطرة والتحكم في سلاح المعلومات.

وأخيراً وليس آخراً، جاء الذكاء الاصطناعي بما لديه من بيانات ضخمة ( (Big Dataوما يملكه من قدرات على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات لاستخلاص أنماط وتوقعات وحلول لم تكن ممكنة من قبل، جاء ليعمل على خلق عالم جديد لم تتحدد أطره حتى الآن.

فيا ترى ما هي التأثيرات الإيجابية والتأثيرات السلبية لهذا العالم الجديد الذي تتدافع فيه الأمم للوصول إلى المعلومة، وجمع وتحليل البيانات، لما هو خلّاق تارة، ولما هو مدمّر وعقيم تارات أخرى.

لربما يمكننا إيجاز التأثيرات الإيجابية في عدد من أهم المجالات الحياتية، التي يأتي الاقتصاد على رأسها، حيث الاقتصاد الرقمي تمكّن من توسيع دائرة وأطر الأعمال، ومن مساحة تمكين الشركات الناشئة والصغيرة والمنافسة عالمياً.

في مجال المعرفة والتعليم، يعد التعلم الذاتي كخيار متاح للجميع أمراً في غاية الأهمية، كما يعد الوصول إلى أفضل المحاضرات والكتب والأبحاث مجاناً عبر منصات محددة يمثل نوع من دمقرطة المعرفة، رغم المتطلبات المادية التي تمثل عبئاً عند فرض الرسوم للوصول إلى المعلومة.

وهناك الكثير مما يمكن الحديث عنه في مجالات الطب والصحة بدءً باكتشافات الأدوية وتطور القدرات التشخيصية عن بعد والعلاجات وتدخل الروبوتات في مجال الجراحة وغيرها من مجالات الحياة المختلفة.

أما التحديات والجوانب المظلمة التي تعد ثمن ثورة المعلومات فربما ما يظهر منها هو الأقل وطئاً، مما يصعب على المستخدم العادي أن يفطنه عن حجم التحدي الذي يمكن أن تشكله حركة وسرعة وفيض تدفق المعلومات على المديات المتوسطة والطويلة

فمن جانب هناك كميات هائلة من البيانات تجعل من الصعب تمييز المهم من التافه بينها… وهناك زخم كبير في الأخبار المزيفة والمضللة الممنهجة في التوزيع والنشر، تتفاعل معها سهولة نشر الشائعات بهدف التلاعب بالعقول على نطاق واسع.

أما قدرات الخوارزميات في تعزيز معتقدات الأفراد والمجتمعات فيعد من أخطر ما تمر به الأمم في الوقت الراهن، لما تعمل عليه من خلق الفتن وتقسيم المجتمعات وصعوبة في الحوار.

في الجانب الآخر فإن عالم المعلومات وشبكات التواصل والاتصال يشكل سوق مهدد لخصوصية الأفراد والمجتمعات، حيث يصبح الفرد فيه سلعة رقمية، تتتبع شركات التكنولوجيا كل تحركاته واهتماماته وتبيع بياناته لأطراف أخرى.

أما الاستقطابات المجتمعية حول وسائل التواصل الاجتماعي التي تعزز الصراعات وخطابات التطرف وتزيد من معدلات الانقسامات ورفض الآخر، فإنها تعد من أخطر أدوات القضاء على لغة الحوار الوسطي والتعايش السلمي والتنوع المجتمعي.

هناك التهديد الاقتصادي الذي بدأ بإحلال الأتمتة والذكاء الاصطناعي محل الوظائف التقليدية بمعدل مرعب، فإنه بدأ بخلق أزمة هوية وبطالة هيكلية من الصعب تداركه بعد عدد قليل من السنوات، عندما تبدأ الأجيال الجديدة بالخروج من قائمة الأعمار المناسبة للعمل… مما يشكل تهديداً بخلق طبقة جديدة من الثائرين على مجتمعاتهم الفقيرة والمتدنية التعليم والفاقدة للهوية.

إن ثورة المعلومات هي سيف ذو حدين؛ فمن ناحية، هي أقوى أداة للتحرر في التاريخ، تمنح الفرد العادي قوة المعرفة والتواصل التي كانت حكراً على النخب؛ ومن ناحية أخرى، هي أقوى أداة للسيطرة في التاريخ، تمنح الأنظمة والشركات قدرة على التتبع والتأثير والتوجيه لم يسبق لها مثيل.

وإن المستقبل يعتمد على كيفية إدارتنا لهذه الثورة، هل سنستخدمها لبناء مجتمعات أكثر انفتاحاً وعدلاً وذكاءً؟ أم ستقودنا إلى عصور مظلمة رقمياً من الاستبداد والجهل المُصطنع والانقسام؟

الإجابة على هذا السؤال ليست تقنية، بل أخلاقية وسياسية في المقام الأول، إذ المعركة الحقيقية هي على روح هذه الثورة، “فمن يسيطر على المعلومات، يسيطر على المستقبل”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *