أنا من الجيل الذي تعلمنا في مناهجنا التعليمية، حتى النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين، إن عربستان كانت مملكة عربية عريقة، تقع على امتداد الساحل الشرقي للخليج العربي، احتلها الفرس، بالتعاون مع بريطانيا، في عام 1925… وبقيت هذه الحقيقة راسخة في أذهاننا، لم تمسحها عمليات إزالة المعلومات من المناهج، ولا محاولات التعتيم الإعلامي الذي فُرض علينا لمحوها من الذاكرة العربية، منذ تلك السبعينيات…

أما بلاد فارس، قبل احتلال مملكة عربستان (الساحل الشرقي للخليج العربي) فلم يكن لها أي إطلالة بحرية على أي بحر داخل حدودها الجبلية، قبل ذلك التاريخ، إذ مساحتها كانت محصورة في الهضبة الواقعة خلف جبال زاغروس الفاصلة بين الفرس والعرب منذ نشأتها، وشعبها ذو عرق آري مختلف عن الشعب العربي ذو العرق السامي.

إن القول بوجود عربي أصيل على الساحل الشرقي للخليج العربي، الممتد على أكثر من 5000 كيلومتر، ليس مجرد رواية سياسية، بل هو حقيقة تاريخية واجتماعية يوثقها الإرث الحضاري والأنساب القبلية. هذه الضفة من الخليج كانت على امتداد تاريخها، قبل 1925، هي امتداد طبيعي للعمق العربي، جغرافياً وحضارياً وثقافياً واقتصادياً، وحلقة وصل حيوية في شبكة العلاقات التجارية والثقافية التي جمعت شطري الخليج.

بعد احتلال الساحل، ظهر مصطلح “عرب الساحل الشرقي” أو “عرب الساحل والجزر”، في إشارة إلى السكان الأصليين للمنطقة التي تقع اليوم تحت السيادة الإيرانية في محافظات “هرمزغان وبوشهر وخوزستان”، وهي اسماء فارسية فُرضت على جغرافيا المنطقة بعد أن تم محو اسمائها العربية من جميع الخرائط والمصادر المعرفية والمعلوماتية.

كان الساحل الشرقي للخليج معقلاً للحكم والنفوذ السياسي العربي، وبعد احتلاله هاجر قسم من سكانه الأصليين إلى الضفة الغربية ليستقر في الكويت والإمارات وقطر والبحرين والسعودية وعُمان… وبعض الدراسات تشير إلى وجود عربي في المنطقة يعود إلى ما قبل الميلاد، كما أن هناك وجود عربي يرجع إلى موجات هجرة منتظمة منذ ما قبل الإسلام وبعده… وقد شكلت هذه القبائل بُنية اجتماعية قوية أسهمت في استقرار المنطقة وازدهارها.

لم يقتصر الوجود العربي على الجانب السكاني فقط، بل امتد ليشمل كيانات سياسية وحضارية قائمة. وقد عُرفت المنطقة بوجود “الإمارات العربية على الساحل الشرقي”، والتي كانت معقلاً لحكم العرب ومراكز للعلم والتجارة. هذه الإمارات لم تكن مجرد تجمعات سكانية، بل كانت كيانات سياسية كاملة الأوصاف، تابعة لسلطنة مسقط وعمان، تدار بواسطة حكام عرب، في غياب أي نفوذ فارسي يُذكر. وقد لعب “عرب الهولة” (كما أطلق عليهم الرحالة الألماني كارستن نيبور) دوراً محورياً في التجارة والملاحة، خاصة في تجارة اللؤلؤ التي كانت تربط موانئ الساحل الشرقي مثل “لنجة” بالساحل الغربي.

بدأ تقسيم الأراضي العربية لصالح الدولة الفارسية خلال الحروب الطويلة التي خاضها الصفويون ضد العثمانيين منذ 1502 ميلادية، ولم تتوقف بسقوط الدولة الصفوية، بل استمرت لأكثر من نصف قرن. وكانت الإمبراطورية الروسية والانجليزية هما القائمان على التحكيم في نتائج هذه الحروب حتى نهايات القرن التاسع عشر، لذلك كان التقسيم بين العرب والفرس قائماً على أساس قومي… وبعد سقوط الإمبراطورية الروسية أصبح التحكيم من مهام الامبراطورية البريطانية بصفتها أكبر قوة عالمية حينها، ليبدأ التقسيم على أساس الدين والمذهب وليس القومية.

شهد القرن العشرون تحولاً جذرياً، حيث تعرض هذا الوجود السياسي في المنطقة للتفكك القسري… عملت الدولة البهلوية الفارسية، بالتواطؤ مع القوى الاستعمارية البريطانية، على تصفية الحكم العربي في الساحل الشرقي، وأدت هذه السياسات إلى تهجير العرب وتدمير مدنهم وموانئهم، مما اضطرهم إلى النزوح الجماعي إلى الضفة المقابلة من الخليج في موجات هجرة عكسية كبيرة، وقد نتج هذا الصراع عن تناقض قومي، وآخر مذهبي.

رغم زوال الكيانات السياسية، لا تزال صلات الدم والثقافة قوية بين الشطرين، حيث العديد من الأسر في دول الخليج اليوم تحتفظ بذاكرة أصولها من تلك المناطق، وهناك منظمات وأبحاث توثق هذه الأصول، كما أن المنطقة لا تزال حتى اليوم موطناً لأقلية عربية تعيش في الجانب الشرقي، وإن كان حضورهم السياسي قد تلاشى بالكامل.

لم يكن الصراع في المنطقة مجرد تنافس على النفوذ، بل كان له بعدان رئيسيان: قومي ومذهبي، وهذا البعد المذهبي كان حاسماً في تشكيل التحالفات والعداوات.

كان الغالبية العظمى من العرب على الساحل الشرقي، بما في ذلك أمراء الإمارات، على المذهب السني… وكان هذا المذهب جزءاً من هويتهم السياسية والاجتماعية… في المقابل، كانت الدولة الصفوية والقاجارية والبهلوية الفارسية (التي حكمت إيران) تتبنى المذهب الشيعي كدين رسمي للدولة.

هذا الاختلاف المذهبي لم يكن مجرد مسألة دين، بل كان حجر الزاوية في الصراع، إذ استغلته الدولة الفارسية لتبرير سياساتها ضد العرب، ووصفتهم بأنهم “خارجون عن الملة” أو تهديد للوحدة المذهبية للدولة الفارسية. وهذا ما سهّل، في نظرهم، عملية تصفية حكمهم وتهجيرهم قسراً.

شهد القرن العشرون نهاية سريعة للحكم العربي على الساحل الشرقي، حيث عملت الدولة البهلوية الفارسية، مدعومة بتواطؤ القوى الاستعمارية البريطانية، على تصفية الإمارات العربية الواحدة تلو الأخرى. استخدمت الدولة مزيجاً من القوة العسكرية والضغوط السياسية للقضاء على الحكم العربي، وتم تدمير العديد من المدن والموانئ العربية.

نتيجة لهذه السياسات، نزح آلاف العرب قسراً من الساحل الشرقي… وعلى الرغم من زوال الحكم السياسي العربي، فإن الإرث الحضاري والثقافي لا يزال حاضراً في المنطقة حتى اليوم.

لاتزال اللهجة العربية الخليجية حية في العديد من المناطق، خاصة بين سكان الجنوب، كما أن التراث الموسيقي في هذه المحافظات يمزج بين الفنون العربية والأفريقية… كما يتوزع السكان العرب في محافظات الجنوب الإيراني، التي تعد جزءً من نسيج سياسي وحضاري عربي أصيل، عُرفت فيه مدنهما وموانئهما بأسماء عربية وتاريخية تعكس هويتهما، ولاتزال تشكل اللغة العربية لغة أساسية إلى جانب الفارسية، ولايزال هناك وجود عربي واضح، كما يتحدث الأهالي اللغة العربية في بعض مناطقها.

حرص العديد من الباحثين والمؤرخين العرب على توثيق هذا التاريخ، من خلال دراسات وأبحاث تناولت القبائل العربية وملاحمها في الساحل الشرقي، كما أُقيمت مؤتمرات علمية متخصصة لدراسة “الساحل الشرقي للخليج… تاريخ وهوية”.

هذا هو ملخص التاريخ العربي في الساحل الشرقي للخليج العربي تحت الاحتلال الإيراني؛ قصة حضارة وإمارات عربية قامت وازدهرت، ثم انهارت تحت ضغط السياسات الفارسية والتواطؤ الاستعماري، تاركةً إرثاً خالداً في الوجدان والثقافة العربية… وهي قصة تروى بفخر واعتزاز.

المراجع
  1. ar.wikiedia.org/wiki/الإمارات_العربية_على_الساحل_الشرقي_للخليج_العربي
  2. alaraby.co.uk/opinion/مشكلات-الأهواز-منذ-1925-ومستقبل-إيران
  3. whiteink.info/the-ahwaz-an-arabic-land-occupied-by-the-persians-at-the-beginning-of-the-twentieth-century-reza-khan-pahlavi-ended-the-kabai-state-in-arabistan-with-an-international-conspiracy-in-the-year-1925-ad/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *