لإلقاء الضوء على ما يتردد كثيراً عن دور الإدارة الأمريكية الحالية في صنع الصراعات الأمريكية حول حقول النفط العالمية، سنحاول هنا أن نوضح بعض الحقائق التي تؤكد بأن عملية الاستحواذ تُشكل استراتيجية أمريكية كبرى وطويلة المدى، وإن رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية ليسوا هم واضعوا الاستراتيجيات الكبرى لبلادهم، بل هم “مديرون تنفيذيون” لهذه الاستراتيجيات، ويضيفون إليها بصمتهم التكتيكية وأسلوبهم الشخصي، لكنهم لا يملكون القدرة على تغيير مسارها الجوهري.

تُرسم الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة (الهيمنة على الطاقة، واحتواء المنافسين، والحفاظ على النظام المالي الدولي) في شبكة مؤسسية تتجاوز رئيس الدولة إلى دوائر أكثر عمقاً وأثراً وقوة، تتكون من عدة مستويات، كما تم تعريفها بواسطة الأكاديمي الأمريكي المختص بأبحاث التنمية المستدامة والتنمية الاقتصادية في جامعة كولومبيا، الدكتور جيفري ساكس؛ وهي أولاً: “الدولة العميقة” أو “دولة الأمن القومي”، وتشمل البنتاغون، ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية. هذه المؤسسات لديها ذاكرة استراتيجية تستمر عبر الإدارات، وتضع “أوراق السياسات” التي يختار منها الرئيس؛ ثانياً: المؤسسات المالية والاقتصادية، وهي وزارة الخزانة، والاحتياطي الفيدرالي، والبنك الدولي. هذه المؤسسات تحمي نظام البترودولار والهيمنة المالية، وهي التي تجعل “السيطرة على النفط” تعني “السيطرة على الاقتصاد العالمي” كما ذكر هنري كيسنجر؛ وثالثاً: الشركات الكبرى، وخاصة النفطية، مثال: إكسون موبيل، وشيفرون، وهاليبرتون… هذه الشركات ليست مجرد “متعاقدين”، بل هي مؤسسات فاعلة في رسم السياسة، لأنها تشارك في وضع القوانين واللوائح، وتوفر الخبراء للمناصب الحكومية، وتمول الحملات الانتخابية (Jeffrey Sachs: War is oligarchs’ business but the people foot the bill – CGTN).  

هذه الشبكة لا “تنتخب” الرئيس بالمعنى الحرفي، لكنها تحدد “مساحة الممكن” التي يتحرك فيها. وأي رئيس يتجاوز هذه المساحة (كما حدث مع جون ف. كينيدي في بعض السياسات، أو دونالد ترامب في بعض قراراته غير المتوقعة) يواجه مقاومة مؤسسية، وقد يُقتل سياسياً (كما حدث مع كينيدي) أو يُقيد (كما حدث مع ترامب في ولايته الأولى، ويحدث حالياً في ولايته الثانية). في هذا الشأن، وكما ذكر البروفيسور جيفري ساكس في تحليلاته، إن الرئيس هو مجرد “مدير” لهذه الآلة، والدولة العميقة هي التي تحدد اتجاه السياسة الأمريكية فعلياً (Jeffrey Sachs: US foreign policy system rife with corruption – Opinion – Chinadaily.com.cn).

إذن رؤساء الولايات المتحدة يؤدون دور المنفذين وليس المخططين لسياسات الولايات المتحدة… ولا يرسمون سياساتها الخارجية الاستراتيجية طويلة الأمد بعيداً عن الدوائر المؤسسية الحاكمة في البلاد، وإن ما نراه اليوم من تحركات أمريكية حول حقول النفط العالمية، وخاصة في فنزويلا وإيران، وقبلها العراق وليبيا، ليس ابتكاراً من الرؤساء بوش أو أوباما، أو ترامب ولا استراتيجية جديدة خلقها أحدهم من العدم، بل هو تنفيذ مباشر للمنطق الذي أرسته إدارة كيسنجر في سبعينيات القرن العشرين.

أنا من الجيل الذي عاصر تبلور استراتيجية هنري كيسنجر حول أدوات الاستحواذ الأمريكي على النفط العالمي في السبعينيات، ورغم ذلك بقي المشروع غامضاً حتى نهاية الحرب الباردة. وما قيل لاحقاً هو أن كيسنجر لم يخطط لـ”الاحتلال العسكري المباشر” لكل آبار النفط العالمية، أو لسبع آبار نفط كما يُتداول في وسائل الإعلام، بل صمم نظاماً هيكلياً لضمان سيطرة الولايات المتحدة على “قواعد اللعبة” في تداول النفط العالمي وأسعاره وتدفقاته، وهذا النظام يتكون من ثلاثة مستويات: 1- السيطرة على آلية التسعير (البترودولار)، 2- التهديد العسكري كخيار احتياطي (خطط الاستيلاء على حقول النفط)، و3- التحكم في التدفقات من خلال التحالفات والتدخلات.

البترودولار… “الاستحواذ” عبر الآلية المالية

هو جوهر استراتيجية كيسنجر عبر جعل النفط العالمي يُتداول بالدولار، وبالتالي ربط مصير النفط بمصير الدولار.  

بعد حرب أكتوبر 1973 وحظر النفط العربي، أدرك كيسنجر أن الاقتصاد الأمريكي لا يستطيع تحمل استمرار انهيار قيمة الدولار بعد فك ارتباطه بالذهب عام 1971، فطرح فكرة التسعير والتسوية بالدولار، مقابل حماية أمنية أمريكية.

هذا الترتيب يعنى أن أي دولة تريد شراء النفط تحتاج إلى الدولار أولاً؛ وعائدات بيع النفط (بترودولار) تعود إلى الأسواق المالية الأمريكية عبر شراء سندات الخزانة الأمريكية ثانياً. وهكذا، حتى لو لم تسيطر أمريكا على بئر نفط واحد، فإنها تسيطر على “مفاتيح” شراء وبيع النفط.

في عام 1974، ومن خلال مذكرة دراسة من الأمن القومي الأمريكي، وسّع كيسنجر هذا المنطق ليشمل التحكم في الموارد العالمية (بما فيها الغذاء والمعادن) عبر أدوات مالية وسياسية (المصدر تقرير باللغة الصينية: ان يونغهاي، جيا لينتشو، وين تيجون: استراتيجية ‘قوة العملة’ بالدولار الأمريكي والفكر System_Love الهيمنة الأمريكية).

التهديد العسكري… خطة “الاستيلاء على حقول النفط” كخيار احتياطي

في ذروة حظر النفط عام 1973، ناقشت الحكومة الأمريكية فعلاً خيار الاستيلاء العسكري على حقول النفط في الشرق الأوسط، ووفقاً لملفات بريطانية رُفعت عنها السرية عام 2004، أبلغ وزير الدفاع الأمريكي آنذاك آرثر شليزنجر السفير البريطاني أن الولايات المتحدة “لم تعد تستبعد استخدام القوة”. ولكن قدّرت بريطانيا أن هذه العملية العسكرية قد تستغرق 10 سنوات، وستؤدي إلى استنفار العالم العربي والمواجهة مع الاتحاد السوفييتي، لكنها لم تستبعدها كلياً (المصدر تقرير باللغة الصينية: وثائق الحكومة البريطانية التي تم رفع السرية عنها: كانت الولايات المتحدة قد فكرت سابقا في مصادرة حقول النفط في الشرق الأوسط بحلول force_Sina Military_Sina.com)

هذه الخطة لم تُنفذ في حينها، ولكن ما يفعله ترامب اليوم في فنزويلا (اعتقال مادورو، والاستيلاء على حقول النفط) هو عملياً إحياء لهذا الخيار الاحتياطي.

“الاستحواذ” الهيكلي… استبدال أوبك

أدرك كيسنجر أن الاحتلال العسكري المكلف وغير الشرعي ليس الحل الأمثل. وأن الحل الأفضل هو تفكيك قدرة المنتجين على الاتحاد في مواجهة المستهلكين.

في السبعينيات، ساعد كيسنجر في إنشاء وكالة الطاقة الدولية (IEA) لتنسيق مواقف الدول المستهلكة للنفط، ودفع باتجاه مفاوضات ثنائية مع دول منتجة للنفط مثل السعودية وإيران، لإضعاف قدرة أوبك على التحكم في الأسعار (المصدر تقرير باللغة الصينية: رأي | ليو شو: هل تستطيع الولايات المتحدة تشكيل “أوبك جديدة”؟ _Sina Finance_Sina.com).

إذن، “مشروع كيسنجر” لم يكن خطة “الاستحواذ على كل بئر نفط”، بل كان خطة لجعل الولايات المتحدة تتحكم في “عجلة النفط العالمية”، والبترودولار هو الأداة اليومية، وتفكيك أوبك هو الغاية الاستراتيجية. ما يفعله ترامب اليوم هو إعادة تشغيل هذا الإطار في عالم أصبح أكثر عدوانية وخطراً مع تطور الحروب السيبرانية، التي تعد من المتغيرات الجديدة في إطار التحولات العالمية.

“السيطرة على النفط تعني السيطرة على الأمم”

هذه هي العبارة الشهيرة التي تُنسب لكيسنجر، وتلخص جوهر الاستراتيجية “من يسيطر على النفط يسيطر على الأمم؛ ومن يسيطر على الغذاء يسيطر على الشعوب؛ ومن يسيطر على المال يسيطر على العالم”… وهذه ليست مجرد مقولة، بل كانت تعبيراً عن استراتيجية ملموسة.

 وقد كشف السفير الأمريكي الاسبق في المملكة السعودية، جيمس أكينز، إنه في أعقاب الحظر النفطي العربي عام 1973، وطفرة ارتفاع أسعار النفط، كان هنري كيسنجر، بصفته وزير الخارجية الأمريكية، يرى أن تدفق الأموال إلى دول أوبك يشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد الأمريكي والتحالف الغربي؛ وأن كيسنجر كان يخطط فعلياً للاستيلاء على حقول النفط الخليجية، وإدارة الحقول بموظفين أمريكيين. وقد أكد السفير أكينز أن هذه الخطة لم تُنفذ في ذلك الوقت لأنها كانت ستؤدي إلى صدام مع الاتحاد السوفيتي، لكنها تكشف أن خيار السيطرة المباشرة على الموارد كان مطروحاً على أعلى المستويات (أمريكا خططت لاحتلال منابع النفط العربية أيام كيسنجر … (1 2) | صحيفة الخليج 14 يونيو 2010)

“الدولة العميقة” أم “سياسة الدولة”؟

ما طرحه كيسنجر لم يكن مؤامرة من “دولة عميقة” بالمعنى الغامض، بل كان استراتيجية رسمية أعلنتها الإدارة الأمريكية. في فبراير 1974 حذر كيسنجر علناً من أن استمرار الحظر النفطي سيُعتبر “شكلاً من أشكال الابتزاز”؛ وفي نوفمبر 1974، كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن استراتيجية كيسنجر كانت تهدف إلى خفض أسعار النفط، وبناء تحالف من الدول المستهلكة، وتنسيق سياسات الطاقة (KISSINGER WARNS ARABS ON OIL BAH – The New York Times).

لكن السؤال عن “الدولة العميقة” يبقى مشروعاً، بمعنى آخر: هل هناك شبكة مؤسسية دائمة (البنتاغون، وكالة الاستخبارات المركزية، شركات النفط، البنك الفيدرالي) تستمر في تنفيذ هذه الاستراتيجية بغض النظر عن الرئيس المنتخب؟ الإجابة تميل إلى نعم، بحسب الخبير الاقتصادي جيفري ساكس الذي ذكر صراحة أن “الدولة العميقة” في أمريكا هي “دولة الأمن”، أي المجمع الصناعي العسكري الذي حذَّر منه أيزنهاور، وهو “حقيقي وموجود وخارج السيطرة”، وأن الرئيس ترامب “أطلق العنان له” بدلاً من أن يتحكم به. وهذا يعني أن استراتيجية السيطرة على الطاقة ليست اختراع الرئيس ترامب، بل هي إطار عمل مؤسسي يجد فيه أي رئيس راغب في التصعيد أدوات جاهزة (‘That’s Not Fiction… It Is Out Of Control’: Jeffrey Sachs On Deep State In US | Republic World).

إذن ترامب لم “يخطط” من الصفر. ولكن استخدَمَ بنية استراتيجية بُنيت منذ عقود، وهي تعبير عن كيفية تحويل النفط إلى أداة ضغط جيوسياسي، وربط أمن الطاقة بأمن “الغرب” بقيادة أمريكا، وخلق أدوات مالية (مثل البترودولار) تجعل السيطرة على النفط تعني السيطرة على الاقتصاد العالمي. ما يفعله الرئيس ترامب اليوم في فنزويلا وإيران، وامتداداته اللاحقة، هو نسخة أكثر عدوانية من نفس المنطق: السيطرة على الموارد، وقطع الإمدادات عن الخصوم (خاصة الصين)، واستخدام القوة عند الحاجة. الفرق أن كيسنجر كان يعمل في عالم ثنائي القطب يحد من الخيارات، أما ترامب فيعمل في عالم أحادي القطب (أو متعدد بلا قواعد واضحة) حيث يرى أن كل الخيارات متاحة، بما في ذلك الاستيلاء المباشر.

ولكن هذه السياسة مستمرة منذ السبعينات عندما بدأ بإنشاء قوات الردع السريع؛ وكل رؤساء الولايات المتحدة منذ ذلك التاريخ يتبعون استراتيجية لتحقيق هدف السيطرة على الطاقة، بما فيها الحرب على الإرهاب… فهل الرئيس ترامب تم انتخابه لتحقيق الجزء الأكثر خطراً في هذه الاستراتيجية باستثمار شخصيته النرجسية وسلوكه المستفز إعلامياً؟

ترامب كـ”أداة تدمير” مقبولة من مراكز القوى

الخبير الروسي أندريه فورسوف (مدير معهد التحليل النظامي والاستراتيجي في قناة بيلتا على اليوتيوب) يرى أن “السلطة العميقة (Deep Power)” في أمريكا سمحت لترامب بالوصول إلى الرئاسة، ليس لأنه جزء منها، بل لأنها تحتاجه لدور محدد: “ترامب هو المدمّر المثالي”. حجتها أن هناك حاجة لشخص يكسر البنية القديمة بسرعة لصالح “وضع طبيعي جديد”… مهمته الآن هي “كسر النظام القائم في العالم بأسرع ما يمكن”. (Expert explains why deep power lets Trump lead the USA)

وهذا يتقاطع مع تحليل صحيفة “الشرق الأوسط” الذي يصف ترامب بأنه “زعيم مقبول من صانعي القوى في الدولة العميقة”، لأنه يفعل ما لا يجرؤ آخرون على فعله: تطهير الإدارة، وتحطيم مراكز القوى القديمة، وإلغاء العقود مع شركاء قدامى. والمؤسسات (السلطة العميقة) تسمح بهذه الخطوات الجذرية لأنها تريد “نتائج استراتيجية”، وتتحمل تقلبات مزاجه السياسي ثمناً لذلك (د. عبد الله فيصل آل ربح/ الشرق الأوسط؛ الأربعاء، ٢١ يناير ٢٠٢٦).

لماذا “الجزء الأكثر خطورة” هو الطاقة؟

استراتيجية “الهيمنة على الطاقة” التي يتبناها ترامب ليست مجرد سياسة اقتصادية، بل هي أداة جيوسياسية لمواجهة الصين، وهي بالضبط “الجزء الأكثر خطورة” لأنها تتطلب استخدام القوة العسكرية والابتزاز المالي… وما وقع في فنزويلا ويمتد إلى إيران يُعد أدلة واقعية على الأرض.

إن تنفيذ هذه الاستراتيجية يتطلب كسر المحرمات؛ يتطلب احتلال حقول نفط دولة ذات سيادة، واعتقال رئيسها، وتهديد الحلفاء (كندا) بالمنافسة في سوق النفط؛ وهذه الأفعال تُنتج كلفة أخلاقية وسياسية هائلة لا يقدمها رئيس “عقلاني” تقليدي يتردد، لأنها قد تُدمر سمعته أو تُقوّض تحالفاته. لكن ترامب، بشخصيته التي لا تمانع استفزاز المؤسسات الإعلامية والحلفاء، يتحمل هذه الكلفة. ولربما دوره يتناسب مع ما جاء في تحليل “الشرق الأوسط” الذي يصفه بأنه “رئيس تنفيذي بصلاحيات استثنائية يُستدعى لتنفيذ مهمة محددة بوقت”، وقد يفسر ذلك ايضاً احتمالية إعادة انتخابه لولاية ثالثة، إن لم يُتِمْ مهمته. ترامب لم يُنتخب بسيناريو مكتوب من “الدولة العميقة” لتنفيذ خطة الطاقة. لكن هناك تقاطع مصالح حقيقي: مؤسسات أمريكية تريد تنفيذ استراتيجية الطاقة بأقصى سرعة وأقل اعتبار للكلفة الأخلاقية؛ وترامب يريد ترك بصمة تاريخية كـ”الرئيس الذي جعل أمريكا مسيطرة على طاقة العالم”؛ وشخصيته الاستفزازية ليست “عيباً” في هذا السياق، بل هي الميزة التي تجعله قادراً على فعل ما لا يفعله غيره، ولكن الخطر، كما تشير التحليلات، أن هذا “التدمير الخلّاق” قد يترك العالم في فوضى لا يستطيع ترامب نفسه السيطرة عليها


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *