قد يكون مصطلح الأمن الحضاري العربي حديثاً بمفاهيمه وأبعاده التي تختلف عما يوازيها في الأمن القومي العربي، إلا انه يعد أحد الركائز المفاهيمية الأمنية العربية والذي يجب تفعيله لسد الفجوة الأمنية التي تواجهها الأمة كتهديد وجودي وحضاري خطير ومتصاعد، بعيداً عن الحروب والصراعات العسكرية التي تواجه الأمن القومي العربي.

يُحدد مفهوم الأمن الحضاري العربي في علاقته بحماية الهوية، القيم، اللغة، التراث، التاريخ، والنسيج الثقافي والاجتماعي، بما يتجاوز الإطار السياسي والجغرافي، ليشمل البعد الوجودي والحضاري للأمة العربية، من خلال الاهتمام بالتهديدات الناعمة مثل الغزو الثقافي، التطرف، تزييف وتشويه التاريخ، التفكك الاجتماعي والقيمي، وفقدان وندرة المرجعيات والرموز الثقافية.

تتحدد العلاقة بين مصطلحي الأمن (القومي والحضاري) بمؤشرات القياس والتأثير، إذ أن الأمن القومي يعمل على حماية المقومات المادية المتمثلة في الكيان السياسي والجغرافي من التهديدات الخارجية (عسكرية، سياسية، اقتصادية)، والتي تتيح استمرار الأمن الحضاري، بينما يوفر الأمن الحضاري التماسك المجتمعي الذي يُدعِم القدرة على تحقيق الأمن القومي، مما يُشكل بعداً تكاملياً وتداخلياً بين المصطلحين. لذلك يؤدي أي تهديد للأمن القومي، كاحتلال أو حرب، إلى تآكل الأمن الحضاري؛ وأي انهيار حضاري، كفقدان اللغة أو الانسلاخ الثقافي، يُضعف القدرة على الدفاع عن الأمن القومي.

أما التوتر بين البُعدين فيتمثل في تعارض الأولويات، بحيث قد يضحي الأمن القومي ببعض المقومات الحضارية لتحقيق مكاسب سياسية عاجلة، وقد يُهَمّش الأمن الحضاري في سياق الصراعات الإقليمية والدولية.

التحديات المعاصرة

تطرح العولمة والهيمنة الثقافية الغربية تحديات كبرى أمام الأمن الحضاري تتجاوز قدرة الأمن القومي التقليدي على التعامل معها؛ وتُظهِر الصراعات الأهلية والإقليمية كيف أن انهيار الأمن القومي يؤدي تالياً إلى تدمير الأمن الحضاري؛ كما يُعتبر التطرف والإرهاب تهديداً مشتركاً للبُعدين القومي والحضاري.

إن الأمن الحضاري والأمن القومي ليسا بديلين، بل مكملين، حيث يمثل الأمن القومي البعد الصلب (الحماية المادية والسياسية)، ويمثل الأمن الحضاري البعد الناعم (الحماية الفكرية والثقافية)، وأي تصور للأمن العربي الشامل يجب أن يُدمَج البعدين في استراتيجية متكاملة تراعي خصوصية الأمة العربية وموقعها الجيواستراتيجي.

ادوات حماية الأمن الحضاري (البعد الناعم)

تتنوع أدوات حماية الأمن الحضاري في إصلاح المناهج التعليمية بتعزيز الهوية العربية والإسلامية في المواد الدراسية، وتضمين التاريخ والتراث العربي بشكل متوازن ونقدي، وتدريس اللغة العربية الفصحى بأساليب حديثة مشوقة، وإضافة برامج توعوية وتثقيفية.

في مجال التعليم العالي والبحث العلمي هناك ضرورة لإنشاء مراكز بحثية متخصصة في قضايا الأمن الحضاري، وتطوير برامج دراسات عليا في الهوية والتراث والتنوع الثقافي، ودعم الدراسات المستقبلية لتحليل أخطار التهديدات الحضارية.

أما أدوات الإعلام والاتصال، والدبلوماسية والثقافة بجانب التعليم، فتعد من أهم الأسلحة والأدوات فاعلية في الأمن الحضاري، بما تتضمن من أدوات قانونية وسياسية لتفسير التشريعات الوطنية والاتفاقيات والسياسات الثقافية، والأمن السيبراني ومواجهة الشائعات والمعلومات المغلوطة.

مؤشرات القياس والتقييم

تعد هذه المؤشرات ذات أهمية قصوى لمتابعة وتطوير الأمن الحضاري لتشمل مؤشرات الهوية المتمثلة في اللغة والانتماء والقيم المشتركة؛ بجانب مؤشرات التراث، ومؤشرات التعرض الثقافي، أي مؤشرات استهلاك المحتوى الثقافي المحلي مقابل المستورد… إضافة إلى مؤشرات التطرف الفكري والذي يظهر في خطابات الكراهية والتحولات القيمية السلبية.

إن حماية الأمن الحضاري تتطلب التكامل بين جميع الأدوات، والاستدامة عبر استراتيجيات طويلة المدى، إضافة إلى التجدد لمواكبة التغيرات التكنولوجية والثقافية، والشراكة بين الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص، بجانب المرونة لعدم تحول الحماية إلى انغلاق أو جمود.

الأمن الحضاري على المستوى الوطني

من المؤسف أن العالم العربي يعاني من ضعف في معظم أدوات ومفاهيم الأمن الحضاري، خاصة في الجوانب التعليمية والتقنية والبحثية، مما يتطلب نهضة عربية شاملة في المجال الأمني عموماً.

لذلك من الممكن، بل والضروري، صناعة وتنفيذ هذه الأدوات على المستوى الوطني لكل دولة عربية على حدة، حتى إن هذا المستوى يعد هو الأكثر فاعلية وجدوى في المرحلة الراهنة، لكن مع الاعتراف بوجود تحديات وقيود على المستوى الجماعي.

إن الواقع العربي الراهن يفرض الاعتراف بضعف العمل العربي المشترك وفاعلية الدول الفردية، كما أن سرعة التهديدات، كالتطرف الرقمي والغزو الثقافي، لا تنتظر تنسيقاً عربياً بطيئاً.

بجانب ذلك هناك تجارب ناجحة يمكن الاقتداء بها وتطويرها محلياً، بحيث يصبح التكامل العمودي، من القيادة السياسية إلى المؤسسات المحلية، أسهل من التكامل الأفقي العربي.

لكن هناك تحذيرين أساسيين، الأول هو ضرورة وجود الحد الأدنى من التنسيق العربي لمواجهة التهديدات العابرة للحدود؛ والثاني هو تجنب “القطرية الثقافية”، التي تُهَمّش البعد الحضاري الجامع للأمة العربية.

في الخلاصة يحتاج الأمن الحضاري العربي إلى استراتيجية مزدوجة تربط بين التنفيذ الوطني للسرعة والفاعلية والملاءمة، وبين التنسيق الإقليمي لمواجهة التحديات المشتركة وحماية الجامع الحضاري.

والأمر ليس مستحيلاً، بل هو ممكن ومطلوب، خاصة في الدول المستقرة التي تمتلك إرادة ورؤية مستقبلية، كدول مجلس التعاون الخليجي، إذ المطلوب الآن هو تحويل الوعي النظري إلى خطط عمل وطنية بمؤشرات قياس وزمن تنفيذ وميزانيات مخصصة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *