تشهد منطقة الخليج العربي منذ 28 فبراير 2026 تصعيدًا عسكريًا كبيرًا في حرب مفتوحة تشنها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وهي ليست حربًا تقليدية محدودة، بل صراع واسع النطاق يمتد تأثيره ليشمل البنية التحتية والمدنيين في العديد من دول منطقة الخليج العربي وشرق المتوسط.

أهداف الحرب المعلنة والمظلمة

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في اليوم الأول للحرب، أن هدفها هو تدمير القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية، ومنعها من امتلاك سلاح نووي، مشيرًا إلى أن الهدف الأوسع هو “إسقاط النظام”. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فقد أعلن أن الضربات جاءت لمنع إيران من تحصين برامجها النووية والصاروخية في مواقع تحت الأرض… بينما تؤكد تفاصيل الحرب إن هناك جانب مظلم من هذه الأهداف لم يتم الكشف عنها، وهذا ما سوف ينكشف بعد سكوت أصوات الصواريخ والطائرات، كما حصل بعد الحرب على العراق (2003).

أسفرت الضربات الأولية، وفي الساعة الأولى من هذه الحرب، عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، معه عدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين. هذا الحدث فجّر الموقف بشكل كبير وأدى إلى ردود فعل إيرانية عنيفة، أهمها قصف دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى نطاق واسع، مع تبرير الدبلوماسية الإيرانية بأنه استهداف للقواعد الأمريكية المتواجدة في المنطقة وليس لدول الخليج، رغم ما وقع من دمار في مناطق مدنية وسكنية واقتصادية ومن ضحايا واصابات بين المدنيين في هذه الدول… ومع هذا الحدث بدا واضحاً الانقلاب الجديد في الهيكل السياسي والعسكري الإيراني، وبزوغ عصر ما بعد المرشد في الجمهورية الإسلامية، والذي كان يمسك بالقرار المركزي على جميع المستويات في إيران.

مؤشرات الانقسام في السلطة المركزية

مع متابعة دقيقة لتفاصيل الحرب في الخليج، يتضح أن هناك علاقة وثيقة بين التطورات الداخلية في إيران والتصعيد على مسرح العمليات؛ والسؤال هنا ما هي هذه التطورات الداخلية في إيران، وتداعياتها على أحداث الخليج؟ وهذا ليس سؤالاً عن أخبار عاجلة بقدر ما هو سؤال عن التحليل الاستراتيجي للآليات التي تؤثر بها هذه التطورات على الحرب.

أهم ما بدأ يتضح في التطورات الداخلية هو حدوث انقسام في السلطة المركزية وسلطة القرار في الدولة، بدأ مباشرة بعد وفاة المرشد الأعلى؛ واستفراد الحرس الثوري بمؤسساته وقراراته، كما جاء في تصريح وزير الخارجية الإيراني، بقوله أن الحرس الثوري يعمل “بشكل مستقل ومعزول” (The Week).

أهم مؤشرات هذا الانقسام هو: أ- الفجوة بين الأداء الدبلوماسي والأداء العسكري، إذ بينما كان وزير الخارجية الإيراني يتصل بمسؤولين عُمانيين وقطريين ليؤكد أن طهران لا تريد مواجهة مع جيرانها، كان الحرس الثوري يقصف موانئ هذين البلدين نفسيهما؛ وهذا يظهر مدى الانفصام بين المسار السياسي والمسار العسكري في إيران… ب- تعزيز دور المتشددين: أي تعزيز قبضة التيار الأصولي في الحرس الثوري إلى مديات قادمة، على حساب أي تيار إصلاحي، وهؤلاء المتشددون أقل اهتماماً بالاعتبارات الدبلوماسية وأكثر ميلاً للتصعيد… ج- غياب القيادة الموحدة وتداعياته، إذ إلى أن يتم انتخاب مرشد أعلى جديد (وهي عملية معقدة قد تستغرق وقتاً)، فإن الحرس الثوري يعمل بسلطات مستقلة وغير مسبوقة، مما يعني أن قرارات الحرب قد تتخذ محلياً من قبل قادة الفروع والأذرع.

والسؤال هنا كيف يؤثر استقلال الحرس الثوري عن سلطة الدولة على استراتيجية القتال؟ (على سبيل المثال: تحويل الحرب التقليدية إلى حرب استنزاف لامركزية)؛ وما علاقة هذا التحول باستراتيجية القتال المعنية باستهداف دول الخليج وتصعيد وتوسيع رقعة الصراع؟، وأيضاً ما هو مستقبل الدبلوماسية والتفاوض والحل السياسي في غياب المُحَاوِر الموثوق به؟.

وضع الحرس الثوري الجديد: “جسم بلا رأس” لكنه ما زال يتحرك

وهذا ما نستنتجه مما جاء في الاعتراف الرسمي من وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في تصريحات صادمة لقناة الجزيرة، قال فيها إن ما حدث في عُمان “لم يكن خيارنا”، مضيفاً إن “وحداتنا العسكرية أصبحت الآن مستقلة ومعزولة نوعاً ما، وتعمل بناءً على تعليمات عامة مُعطاة لها مسبقاً”؛ مما يعني ببساطة أن الحرس الثوري لم يعد يتلقى أوامر لحظية من الحكومة المركزية أو حتى من القيادة المؤقتة، بل يعمل الآن بناءً على “وصية خامنئي العسكرية” أي الخطط والاستراتيجيات التي وضعها المرشد الراحل قبل مقتله، ويقوم الحرس بتنفيذها بشكل ذاتي.

هذا يعني إن ما يحدث بالفعل في إيران هو أن الحرس الثوري لم يعد مجرد ذراع عسكرية للنظام، بل تحول إلى “دولة داخل دولة”، يدير الحرب باستقلالية، وهذا الوضع الجديد له تأثيرات عميقة على مسار الحرب، ويغير قواعد اللعبة بشكل جذري، وله تأثيرات مباشرة على دول الخليج.

ولكن هل هذا أمر طبيعي؟ من المؤكد لا؛ إذن لماذا هو طبيعي في إيران؟ وهذا ما تجيب عليه تقارير صادرة من بي بي سي (BBC) وتقول بأن الحرس الثوري يتحكم بترسانة إيران الباليستية والصاروخية وبمعظم مخزون الطائرات المسيّرة، فمن الطبيعي أن يكون لديه خطط طوارئ لمواجهة سيناريو انهيار القيادة المركزية.

توسيع رقعة الحرب عمداً

بالمحصلة ينتج إن قرار التصعيد بضرب دول الخليج كان مرسوماً من المرشد الأعلى مسبقاً، وإن الحرس الثوري يقوم بتنفيذ ذلك القرار، في تصعيد يصعب السيطرة عليه… وهذه الاستراتيجية العسكرية الفسيفسائية اطلق عليها وزير الخارجية، عراقجي، مصطلح “الدفاع اللامركزي”، أي بدلاً من أن تكون هناك قيادة مركزية تتحكم بكل صاروخ، يتم بحسب هذه الاستراتيجية الفسيفسائية تفويض الصلاحيات لوحدات ميدانية لديها أهدافها المحددة مسبقاً… وهذا يعني أن هجمات الحوثيين في اليمن، والفصائل في العراق، وعمليات الحرس الثوري البحرية في الخليج، لم تعد بالضرورة جزءاً من خطة موحدة ومنسقة، بل قد تكون “مبادرات فردية” لوحدات مستقلة تسعى لتحقيق أهدافها الخاصة أو للانتقام لمقتل قائدها الأعلى؛ وهذا يجعل الحرب أكثر فوضوية وأقل قابلية للتنبؤ.

نستنتج من هذا أيضاً، إن الهجمات على دول الخليج (الإمارات، السعودية، قطر، الكويت، البحرين، عُمان) لم تكن خطأً أو “خياراً سيئاً” فقط، بل هي جزء من استراتيجية الحرس الثوري، لأن استهداف دول الخليج يحقق عدة أهداف للحرس أهمها: أ- رفع كلفة الحرب على الدول؛ ب- استنزاف الدفاعات الجوية، أي إجبار أنظمة الدفاع الجوي الخليجية على العمل بكثافة لاعتراض مئات الصواريخ والمسيّرات، مما قد يستنزف مخزونها بمرور الوقت؛ ج- زعزعة الاستقرار الداخلي باستهداف البنية التحتية والمصالح الاقتصادية والمدنيين.

صراع داخلي على الأرض الخليجية

في الجانب الآخر تسببت التصريحات الإيرانية في إحراج دبلوماسي لدول الخليج. فبدلاً من أن توجه هذه الدول انتقاداتها للولايات المتحدة وإسرائيل (كما كان متوقعاً)، وجدت نفسها مضطرة لإدانة الهجمات الإيرانية على أراضيها، مما دفعها لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه إيران.

وهذا يخلق واقعاً جديداً، وهو إن دول الخليج أصبحت طرفاً في المعادلة العسكرية دفاعاً عن النفس، حتى لو كانت ترفض الانخراط في الحرب بشكل مباشر.

الموقف الخليجي في هذا المشهد المعقد

إن ما تشهده المنطقة هو تحول نوعي في الصراع، إذ لم تعد إيران دولة تدير حرباً، بل أصبحت شبكة من الفاعلين المسلحين تدير صراعاً متعدد الجبهات، والحرس الثوري في قلب هذه الشبكة يعمل بلا قيادة مركزية فعالة.

هذا الوضع يجعل دول الخليج في موقف بالغ الصعوبة، في مواجهة عدوٍ غير متوقع وغير منضبط؛ قادر على ضرب أهداف متعددة دون تنسيق مركزي؛ مما يجعل مهمة الدفاع عن النفس أكثر تعقيداً ويجعل أي حل دبلوماسي شبه مستحيل في المدى المنظور.

وأخيراً: إن لم تنتهي هذه الحرب او تنتقل إلى مراحل متقدمة سنتحدث في المقال القادم حول السيناريوهات المحتملة والتي قد تكون مرسومة مسبقاً.


2 تعليقات

  1. مقال تشخيصي مهم للواقع المعقد الذي تشهده الدول المتأثرة بالصراع . ومن الصعب استشراف مستقبل المنطقة، ربما تداعيات الحرب في الوقت الحالي ستشهد تقلبات أسواق النفط العالمية وتأثيرها السلبي .هناك سيناريوهات محتملة عديدة ممكن أن يتحقق بعضها غير ان الجانب المظلم والخسارة الفادحة هي الاكثر ترجيحا، الشيئ الأيجابي الكبير والمجدي فعلا حاليا هو ان قدران ايران الارهابية قد تم تصفيتها وازالة خطرها على الدول المجاورة.

    د. قصي عمر
  2. مقال المفكرة العربية سميرة رجب لهذا الأسبوع نابع من قلب الأحداث التي تعيشها منطقتنا العربية.. ولذلك لم يأتِ مليئاً بالأوجاع فحسب، بل بدفقة من التحليل القائم على فرضية مركزية واضحة مؤداها أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أدت إلى تفكك جزئي في مركز القرار الإيراني بعد مقتل المرشد، مما جعل الحرس الثوري يدير الحرب بشكل شبه مستقل عبر استراتيجية لامركزية توسع رقعة الصراع نحو الخليج. واتكاءً على هذه الفرضية، ترى سميرة رجب أن إيران دخلت مرحلة “ما بعد المرشد”، وأن الحرس الثوري أصبح دولة داخل الدولة، وأن الحرب قد تتحول إلى حرب استنزاف لامركزية، وأن دول الخليج – وهنا المهم – أصبحت طرفاً في الحرب دفاعاً عن نفسها حتى لو لم ترغب بذلك.
    هكذا أرى الهيكل الفكري للمقال.
    وكلُّ من يتسنّى له قراءة المقال، سيجده يقوم على تحليل استراتيجي مهم يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط:
    النقطة الأولى: الربط بين الداخل الإيراني والحرب. حيث تربط سميرة رجب بين فراغ القيادة في إيران وبين تصعيد العمليات العسكرية. وهذا الربط منطقي في التحليل السياسي وفي الدراسات الاستراتيجية، لأن الأنظمة التي تفقد القيادة المركزية غالباً ما تشهد تصعيداً من المؤسسات العسكرية.
    النقطة الثانية: فكرة “الحرب اللامركزية”. فالمقال يطرح فكرة أن إيران قد تتحول إلى حرب شبكة يديرها عدد من الفاعلين المسلحين بدلاً من حرب دولة مركزية. وهذه فكرة شائعة في الأدبيات العسكرية الحديثة التي تتحدث عن الحرب الهجينة، والحرب بالوكالة، والقيادة اللامركزية، وبالتالي فإن الفكرة تحليلية وليست مجرد رأي سياسي.
    النقطة الثالثة: إدراك مخاطر استهداف الخليج؛ إذ تلفت الكاتبة الأنظار إلى أن ضرب الخليج يحقق ثلاثة أهداف: استنزاف الدفاعات الجوية، ورفع كلفة الحرب، وإحداث الضغط الاقتصادي.
    وإذا أردنا الإشارة إلى نقاط القوة في المقال، لوجدنا أن إدراك الطبيعة الشبكية للصراع يأتي في المقدمة، وبجرأة قلما نراها في آخرين، تشير سميرة رجب إلى أن إيران قد تتحول إلى شبكة فاعلين مسلحين، والواقع ينبئ بذلك: الحشد الشعبي، حزب الله، الحوثيون.
    ومن نقاط القوة في المقال أنه يلفت الانتباه إلى نقطة مهمة: الدفاع ضد عدو غير مركزي أصعب بكثير.
    ولا بد من الإشارة إلى نقطة أخرى من نقاط القوة، هو إدراك الإحراج في الوضع الدبلوماسي الخليجي. فأراه تحليلاً دقيقاً وواقعياً إشارتها إلى أن دول الخليج لا تريد الحرب.. لكنها مجبرة على الرد، وهذا واقع سياسي معقد.
    أخيراً.. تعتمد سميرة رجب في هذا المقال على إشارات وتصريحات إعلامية وتقارير صحفية لكنها غير موثقة بالكامل من حيث المصدر. كتصريح وزير الخارجية الإيراني، أو ” أن الحرس الثوري يعمل بشكل مستقل ومعزول”.. وكذلك ” فرضية وصية خامنئي العسكرية”، ربما تكون هذه الوصية استنتاجاً.. مثلاً.
    وعموماً، كل من يقرأ المقال بعمق، ربما يجد – كما أراه أنا شخصياً – أن المفكِّرة العربية سميرة رجب تحاول إيصال رسالة هامة للغاية: الحرب قد تدخل مرحلة فوضوية وغير قابلة للسيطرة.

    الدكتور جلال عبدالله حاتم

اترك رداً على الدكتور جلال عبدالله حاتم إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *