وصلني مؤخراً تعليق على مقالي المنشور بتاريخ 18 أبريل 2026، بعنوان “الساحل الشرقي للخليج العربي… تاريخ عربي عريق”، من أحد أبناء الأحواز العربية، لتصحيح بعض المصطلحات والحقائق الناقصة في المقال، مما استوجب أن أتقدم له بالاعتذار على الخطأ الذي كان بسبب نقص المعلومات، وأيضاً بالتقدير على اخلاصه العظيم لوطنه وتاريخه وهويته التي يناضل الأحوازيون من أجلها على مدار قرن من الزمان… ولتصحيح الخطأ، وتصحيح المعلومات أمام القارئ أورد هنا الرسالة كاملة…
“بصراحة، هناك ملاحظات جوهرية على ما يُطرح حول ما يُسمّى باحتلالات إيران. ففي زمن الدولة الصفوية، كانت الدولة العثمانية حاضرة بقوة، وقد سيطر الصفويون على العراق ووصلوا إلى بغداد، ودارت بينهم حروب طاحنة ضمن الحقبة التاريخية التي أعقبت قيام الدولة الصفوية، وتحديدًا في القرن السادس عشر، وانتهت بهزيمة الصفويين وتفوّق العثمانيين. وفي تلك المرحلة، لم يكن للعراقيين قرار مستقل، إذ كانت أرضهم ساحة لصراع إمبراطوريات. ومن ثم وصل القاجاريون إلى سدة الحكم، والذين لم تكن لهم أي سلطة على الأراضي الأحوازية واستمرّت هذه الحالة حتى سقوط احمد شاه القاجاري على يد وزير دفاعه انذاك رضا بهلوي المدعوم بريطانيا.
وكان الهدف البريطاني من وصول رضا بهلوي إلى سدة الحكم هو وضع حليف لهم لقطع الطريق أمام الاتحاد السوفييتي لمنع وصولهم إلى المياه الدافئة ونفط الخليج العربي بالتحديد. وكان شرط القيادة الإيرانية انذاك أن البريطانيين يسمحوا للجيش الايراني الدخول للاراضي الأحوازية. وأما بعد زوال العثمانيين ونهوض العراق عام 1920 كان هناك تخبط لدى الدولة العراقية انذالك ولا سيما في فترة نوري السعيد ووصلت شرارة تخبطهم إلى الاحواز.
وكان الأمر الثاني هو ما عانينا منه بشكل مباشر من نتائج اتفاقية الجزائر عام 1975، التي وقّعها صدام حسين مع محمد رضا بهلوي. وبموجب هذه الاتفاقية، تم فرض واقع جديد على شط العرب وفق خط التالوك، ما أدى إلى تثبيت السيطرة الإيرانية على الضفة الشرقية، ثم جرى توثيق ذلك دوليًا، وفرضت إيران تسمية “أروند رود” بدل “شط العرب” في الجزء الواقع تحت سيطرتها.
ومن هنا، فإن قضيتنا هي أرضنا الأحوازية العربية التي ما زالت واقعة تحت السيطرة الإيرانية، وهي حقيقة يجب توضيحها للرأي العام العربي حتى لا تختلط المفاهيم.
كما أن استخدام مصطلح “الساحل الشرقي للخليج العربي” أو كما يذكر البعض “عرب الساحل الشرقي” والبعض الآخر يذكر “عرب فارس”، دون تحديد دقيق يُعد إشكاليًا، لأنه يُخفي الحقيقة الجغرافية والسياسية. فهذه الضفة ليست جزيرة ولا موقعًا منفصلًا، بل هي امتداد جغرافي متصل يُعرف تاريخيًا وجغرافيًا بالأحواز العربية.
إن الضفة الشرقية للخليج العربي هي أرض الأحواز العربية، وتمتد من المحمرة إلى مضيق هرمز، وتشمل مدنًا وموانئ رئيسية مثل عبادان وغيرها، وهي جميعها ضمن هذا الامتداد الساحلي الأحوازي العربي، ولا يمكن اختزالها أو تجاهلها. لكن المؤسف أن بعض الخطابات العربية لا تزال تتعامل مع هذه الحقيقة بقدر من الغموض أو الاختزال، فتذكر مناطق محدودة أو تستخدم مصطلحات غير دقيقة، مما يساهم في تغييب الوعي بحقيقة هذه الجغرافيا، والقضية.
وفي هذا السياق، يجدر التوقف عند مصطلح “عربستان”… فقد استُخدم هذا المصطلح تاريخيًا في بعض الفترات، ويُقال إنه ورد في سياقات الإمبراطوريتين العثمانية والروسية، ولم يكن بالضرورة محصورًا في الأحواز، بل استُخدم أحيانًا للإشارة إلى أراضٍ يقطنها العرب بشكل عام. وحتى في الوقت الحاضر، يُلاحظ أن بعض الإيرانيين يطلقون هذا الوصف على مناطق في شبه الجزيرة العربية.
أما من الناحية السياسية الحديثة، فقد برز استخدام مصطلح “عربستان” بعد عام 1925، عقب إسقاط حكم الشيخ خزعل الكعبي في الأحواز، وضم أراضينا إلى إيران في عهد رضا شاه بهلوي، حيث استُخدم لفترة محدودة قبل أن يُستبدل لاحقًا باسم “خوزستان”. كما ارتبط هذا الاستخدام بسياقات سياسية داخلية، من بينها محاولات استمالة بعض القوى المحلية عبر منح امتيازات معينة.
ومع ذلك، فإن هذا المصطلح لا يعبّر عن هويتنا كما نراها، ولذلك نرفض استخدامه، خصوصًا في الخطاب العربي. فالمسألة ليست مجرد تسمية، بل تتعلق بالهوية والانتماء والتاريخ.
إن الدقة في المصطلحات ليست مسألة لغوية فقط، بل هي جزء من معركة الوعي، ومن الضروري اعتماد توصيف واضح يعكس حقيقة الأرض والهوية، بعيدًا عن التعميم أو الغموض”. انتهى الاقتباس.
وإذ أكرر شكري واعتذاري للأخ الكريم من الاحواز العربية، أزيد هنا بعض مما استقيته من حقائق حول هذه الأرض العربية التي لاتزال تحت الاحتلال الإيراني منذ 1925.
عند النظر إلى خريطة الثروات في الشرق الأوسط، يبرز إقليم الأحواز كواحد من أكثر المناطق ثراءً وتنوعاً في الموارد الطبيعية على مستوى العالم. هذه المنطقة تعد القلب الاقتصادي النابض لإيران اليوم، حيث تتركز فيها النسبة الأكبر من احتياطياتها النفطية والغازية، إلى جانب موارد معدنية وزراعية وبحرية هائلة.
تُعد محافظة الأحواز بحق “قوة إيران النفطية” بلا منازع. فهي موطن لـ 80% من احتياطيات النفط البرية الإيرانية و57% من إجمالي احتياطيات البلاد، كما تنتج أكثر من 80% من النفط الإيراني.
من أبرز حقول النفط في هذه المنطقة “حقل الأهواز (الاحواز)” أحد أكبر الحقول في العالم، ويُعتبر العمود الفقري للإنتاج النفطي الإيراني.
يعد حقل مارون ثاني أكبر حقل نفطي في إيران، وحقل آغاجاري ينتج 200 ألف برميل يومياً واحتياطيات تقدر بـ 28 مليار برمي، وهما في أراضي الأحواز.
وهناك أيضاً حقل آزادكان الجنوبي الذي ايضاً يعد من بين أكبر الحقول في العالم، مع إنتاج مبكر يصل إلى 40 ألف برميل يومياً… حقل يادآوران ينتج 85 ألف برميل يومياً.
أما جزيرة خارك، التي يتداول اسمها في الحرب الجارية، فإنها ضمن خريطة الأحواز، وتعد شريان تصدير النفط، و”العمود الفقري الاقتصادي غير المتنازع عليه لإيران”… تعالج هذه الجزيرة الصغيرة (22 كيلومتراً مربعاً) 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، وتستقبل ناقلات النفط العملاقة المتجهة أساساً إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين.
تتركز ثروة إيران الهائلة من الغاز الطبيعي (ثاني أكبر احتياطي في العالم بعد روسيا) بشكل كبير في أرض الاحواز… وأهم حقوله هو حقل جنوب بارس الذي يعد أكبر حقل للغاز في العالم، وهو مشترك مع قطر.
لا تقتصر ثروة الأحواز على الاستخراج، بل تمتد إلى التصنيع… فهناك يقع مجمع بندر إمام البتروكيماوي، والذي يساهم بشكل كبير في الصادرات والإيرادات، كما تحتضن أحواز 33 منشأة بتروكيماوية و4 مصافي نفط كبيرة.
إلى جانب النفط والغاز، تمتلك الأحواز كنوزاً معدنية هائلة من الحديد والذهب، وتنوع جيولوجي مذهل يضم 20 نوعاً من المعادن، بجانب القباب الملحية النادرة.
أما الزراعة والثروة المائية، فإنه بفضل نهر كارون (أطول نهر في إيران) تجعل أرض الأحواز سلة غذاء إيران إذ تنتج سنوياً أكثر من 17 مليون طن من المحاصيل المتنوعة، بما في ذلك القمح والشعير والأرز والتمور وقصب السكر، بجانب النخيل والحمضيات، والثروة السمكية واللؤلؤ.
الأحواز تمثل عصب الاقتصاد الإيراني بأكمله، وهي ليست مجرد أرض تابعة لإيران، بل هي “الخزان الاستراتيجي” الذي يمول الدولة ويدعم قدراتها ويعزز مكانتها الإقليمية. إن التحكم بهذه الثروات وتوظيفها هو ما جعل إيران قوة إقليمية مؤثرة، كما أن أي تهديد لهذه المنطقة يُعتبر تهديداً وجودياً للاقتصاد الإيراني بأكمله.
