منذ سقوط إمبراطوريتها الساسانية، تحاول إيران أن تبرر حروبها في المنطقة بأنها من موقع الدفاع، أو كما يصفها بعض المُتًفذلِكين (فَذلَك، يُفَذْلِكُ) بإنها سلوك “الدفاع عن الحضارة”، بينما القراءة الواقعية وجدت، في محاولات توسيع النفوذ الفارسي عبر الصراع والحروب على مدى تاريخ بلاد فارس منذ نشأتها، إن منطق الصراع دفاعاً عن “الحضارة” في السلوك الإيراني يعد قاصراً، بل إنه قد يحجب جانباً أساسياً من الواقع، وهو أن إيران ليست دائماً في موقع المُدافع، بل هي غالباً فاعل هجومي يبادر إلى صنع الحروب وإشعال الصراعات، سواء على حدودها المباشرة أو في عمق المناطق المحيطة بها. هذا يدفعنا إلى إعادة قراءة الحالة بالبعد الأنثروبولوجي من زوايا مختلفة لا تركز على “رد الفعل” الدفاعي، بل على “ديناميكية التوسع” و”إدارة الصراع” كجزء من التكوين الفكري والسياسي الفارسي.
إيران كـ”دولة حرب”… تراث الإمبراطوريات
النظر إلى التاريخ الطويل لإيران، وليس فقط التاريخ الحديث، يكشف أن المشروع الإيراني كان غالباً مشروعاً إمبراطورياً توسعياً. الإمبراطوريات وأنظمة الحكم الفارسية المتعاقبة (الأخمينية، الباراثية، السامانية، الساسانية، الصفوية، القاجارية، البهلوية، الجمهورية الإسلامية) قامت جميعها على فكرة المركزية والامتداد، حيث لم يكن الدفاع عن الحدود هو الغاية، بل توسيع النفوذ وفرض الهيمنة على الجيران، سواء كانوا من العرب، الأتراك، أو الإغريق وغيرهم. هذا الإرث الإمبراطوري، كدولة حرب، خلق ثقافة سياسية تنظر إلى الفضاء المحيط كساحة نفوذ طبيعية، وكتهديد خارجي بالمنطق الفارسي.
ما يثير الاهتمام، في تراث دولة الحرب هذا، هو كيف تستخدم إيران “سردية الدفاع عن النفس” كغطاء استراتيجي لعمليات هجومية، كمثال في خطابها الرسمي المعاصر تُقدّم إيران أي تحرك عسكري أو سياسي في المنطقة (من العراق واليمن إلى لبنان وغزة) على أنه ردع ودفاع (مقاومة) عن الأمن القومي وحماية الثورة. لكن على الأرض، هذه العمليات تُعد هجمات استباقية تهدف إلى إضعاف الخصم (المُتخَيّل) وتوسيع دائرة النفوذ، كما حدث في الحرب العراقية-الإيرانية عندما أنكرت إنها بدأت الحرب، وعندما رفضت إنهاء الحرب رغم القبول بالهدنة، أو في دعمها للميليشيات في العراق، ولبنان، وسوريا، واليمن. هنا، يكون “الآخر” هو “العدو”، وليس بالضرورة هو قادم لاحتلال طهران، بل هو أي طرف يسعى لتقليص نفوذها، وهذا يُعد تهديداً وجودياً لدى القيادة الإيرانية.
الصراع الدائم كآلية للبقاء الداخلي
من منظور أنثروبولوجي سياسي، تلعب الحروب والصراعات المباشرة، وغير المباشرة، دوراً محورياً في استمرارية النظام الإيراني نفسه، وليس فقط في مواجهة تهديدات خارجية. فالصراع الدائم مع “الآخر” يُستخدم كأداة لـتجييش الداخل وتوحيد الفئات المتنازعة تحت راية العدو المشترك؛ كما يُستخدم لتبرير القمع الداخلي والحفاظ على قبضة الأمن والعسكرة على المجتمع الإيراني، إضافة إلى أن الصراع مع الخارج يعمل على توجيه الغضب الشعبي الناتج عن الأزمات الاقتصادية نحو أهداف خارجية.
فالحرب، في الحالة الإيرانية، ليست رد فعل على عدوان، بل هي استراتيجية بقاء للنظام السياسي، وتحويل للتناقضات الداخلية إلى صراع خارجي.
العناد الفارسي… أيديولوجيا أم منطق حديث للصبر
يتميز الفرس بقدرة استثنائية على تحمل وطأة الحروب الممتدة، حيث يتحول الصبر هنا إلى سمة سلوكية راسخة تظهر في التخطيط العسكري الإيراني وإدارتها للأزمات.
إن “الصبر”، أو “العناد” طويل الأمد، الذي يتميّزَ به الفرس في مواجهة الحروب والصراعات، ليس مجرد سمة عابرة في الشخصية الفارسية، بل هو نتاج تفاعل عميق بين عدة طبقات تاريخية وثقافية تشكلت عبر التاريخ، حيث تداخلت الأساطير الفارسية القديمة وقصص الأبطال مع الموروث المذهبي لخلق ثقافة تُمجد التضحية والصبر في وجه “الظلم”؛ واندمج هذا تاريخياً ليشكل نظام “دولة حرب”، ونموذج مركزي للمقاومة ضد ما يتم تخيّله من “ظلم وطغيان”، حتى لو كانت النتيجة هي الهزيمة. هذا المزيج يحول الفشل العسكري المحتمل إلى “انتصار أخلاقي” وفضيلة، ويشجع على الاستمرار في المواجهة. وهذا ما يفسر لماذا تستخدم الدولة أيضاً رموزاً من التراث الفارسي القديم إلى جانب الرموز الدينية لتعبئة الشعب في أوقات الأزمات.
إن العناد الذي تظهره إيران في الحروب والصراعات الطويلة، ورفضها الاستسلام حتى الانهيار التام (ذهنية حافة الهاوية)، لا يمكن فهمه فقط كعناد استراتيجي، أو ثقافي، أو “نفس طويل”، بل هو أيضاً منطق أيديولوجي قائم على عقيدة “ولاية الفقيه” والصبر طويل الأمد في انتظار “المهدي المنتظر”، مما يضفي شرعية دينية على التحمل والتضحية، ويحوّل الهزيمة إلى اختبار إلهي.
بالمنظور “الباطني” يعد العناد الفارسي منطقاً سياسياً، حيث يصبح الصمود في وجه “العدو الخارجي” وسيلة لتوحيد الصف الداخلي وتجاوز الخلافات، مما يجعل الضغط الخارجي أداة غير فعّالة لكسر الإرادة الإيرانية، بل على العكس، لربما تقويها… وحيث يعرف النظام أن أي استسلام أو تراجع سيُضعف مكانته الداخلية، ويفتح الباب أمام مطالب المعارضة، بل وقد يؤدي إلى انهياره. لذلك يفضل “الانهيار التام” على التفاوض من موقع ضعف.
إن هذا النوع من إدارة الصراعات الطويلة وإخضاع المجتمع له، رغم كوارثه الاقتصادية والاجتماعية، من المؤكد إنه يتم من خلال مزيج من القمع الشديد داخلياً، واستغلال حالة الحرب لتبرير الاستمرار في السلطة، وتأثير ذلك على الحياة اليومية للمواطنين. بالنتيجة لا يمكن فهم استمرار هذه الحالة دون النظر إلى الآليات التي تعتمدها السلطة، وهي آليات تختلف جذرياً عن إدارة الأزمات في مجتمعات أخرى (Iranians struggle with economic collapse, war, uncertain nuclear talks).
مقارنة مع النظراء التاريخيين
من المثير للاهتمام مقارنة هذا السلوك الإيراني في الصراعات والحروب مع سلوك الدول الإمبراطورية الأخرى. فبينما كانت الإمبراطوريات الأوروبية تعيد حساب استراتيجياتها بعد هزائم كبرى (كفرنسا بعد حروب نابليون أو ألمانيا بعد الحربين)، تحولت الهزائم في الثقافة السياسية الإيرانية إلى مادة للأسطورة، وذريعة للثأر، وللإنكار أحياناً… مثال: ثأر الفرس من العرب بعد سقوط الإمبراطورية الساسانية، أو ادعاء النصر والصمود الأسطوري في حرب الثمان سنوات مع العراق. وهذا يعكس ثقافة سياسية تتعامل مع الصراع ليس كمسألة ربح وخسارة عابرة، بل كمعركة مستمرة، حيث يكون الانسحاب عاراً والاستمرار فضيلة، حتى لو كان الثمن هو الانهيار.
استمرارية النموذج الهجومي في المستقبل
إذا اعتبرنا أن منطق الصراع في هذا النموذج الهجومي يعد جزءاً من بنية النظام الإيراني، فإنه من غير المُرَجّح أن يتغير هذا المنطق طالما لم تتغير العوامل الداخلية (مثال: الحاجة إلى البقاء)، والعوامل الإقليمية (مثال: ضعف الدول المجاورة وغياب ردع حقيقي). وهنا يمكن التأكيد بأن إيران لا تخوض حروباً دفاعية عن حدودها الجغرافية بقدر ما تخوض حروباً للحفاظ على نموذجها السياسي، سرديتها، وقوتها الناعمة والصلبة، ولتوسيع دائرة نفوذها… وهذا الفرق جوهره ليس جغرافياً وإنما هوياتياً ونظامياً.
أخيراً، أدت هذه البنية الأنثروبولوجية التاريخية إلى تبلور استراتيجيات عسكرية وسياسية إيرانية غير تقليدية. فبدلاً من مواجهة الخصوم في معارك حاسمة، طورت إيران ما يمكن وصفه بفلسفة “الدفاع الفسيفسائي” (Iran’s ‘Mosaic Defense’ Strategy: Decentralization as Resilience Factor – The Soufan Center)، حيث تكون شبكات المقاومة والنفوذ موزعة ولا مركزية، مما يجعل تدميرها بقوة مركزية واحدة أمراً صعباً للغاية. وعلى المستوى التفاوضي، تُظهر إيران “نَفَسَاً طويلا” في إدارة النزاعات، مقارنة بالإيقاع الغربي السريع الذي تسيطر عليه دورات الانتخابات الإعلامية. هذا الصبر ليس عيباً حضارياً، بل هو تكيف أنثروبولوجي مع تاريخ طويل من التفاوض من موقع ضعف ظاهري، حيث يصبح الوقت نفسه سلاحاً.
في مقال قادم سنقدم تحليلاً لظاهرة الصراع التوسعي الإيراني من منظور أنثروبولوجي وفلسفي بحثاً عن إجابات لتساؤلات مشروعة: هل تعيش إيران حالة حرب دائمة مع خصوم حقيقيين؟ أم إنها تصنع الخصوم بفلسفة “العدو” و”صناعة الخصم” كآلية للبقاء والهيمنة؟ وهل يعد هذا سلوك دولة طبيعية؟ أم يعد إشكالاً عميقاً يتجاوز التحليل السياسي التقليدي؟

بعض الدول تخوض الحرب ثم تعود إلى حياتها الطبيعية، وبعضها يعيد تشكيل حياته ومؤسساته وخطابه العام على نحو يجعل الحرب حالةً دائمة، حتى عندما تصمت المدافع. ومن هذه الزاوية اللافتة تقرأ المفكرة العربية سميرة بن رجب، في مقالها “العناد الاستراتيجي والحروب طويلة الأمد في الثقافة الإيرانية”، السلوك الإيراني. فلا تتعامل معه بوصفه استجابةً ظرفية لتهديد خارجي، وإنما باعتباره بنيةً تاريخية وسياسية تتغذى من الصراع وتعيد إنتاجه.
تكمن القيمة الرئيسة للمقال في نقله النقاش من السؤال التقليدي الذي يطرحه كثيرون: لماذا تدخل إيران في الصراعات؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: ما الوظيفة التي يؤديها الصراع في بقاء النظام الإيراني وتماسكه الداخلي وامتداد نفوذه الإقليمي؟ وهذا التحول في زاوية النظر يمنح المقال طابعاً تفسيرياً يتجاوز السرد السياسي المباشر.
وتنجح سميرة بن رجب في تفكيك “سردية الدفاع عن النفس” التي تقدم بها إيران سياساتها الإقليمية، موضحةً أن مفهوم الدفاع قد يتسع في الخطاب الإيراني ليشمل بناء شبكات النفوذ، ودعم الجماعات المسلحة، ونقل خطوط المواجهة إلى خارج الحدود. وبذلك لا يعود “العدو” هو الطرف الذي يهدد الأراضي الإيرانية فقط، بل قد يصبح كلَّ طرفٍ يسعى إلى تقليص مجال النفوذ الإيراني أو الحد من أدواته الإقليمية.
ومن أكثر أفكار المقال أهميةً تحليله وظيفة “العدو الخارجي” في الداخل؛ فاستمرار الصراع لا يحقق غايات جيوسياسية فحسب، وإنما يساعد السلطة أيضاً على تعبئة المجتمع، وتأجيل مساءلتها عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتبرير القبضة الأمنية والعسكرة. وهنا تلتقي السياسة الخارجية بالشرعية الداخلية: فكلما اشتدت الأزمات، ازدادت حاجة النظام إلى خصم يستطيع أن ينسب إليه أسباب الإخفاق.
كما يقدم المقال قراءة ذكية لمفهوم “الصبر الاستراتيجي”، بوصفه قدرةً على إدارة الزمن وتحويله إلى أداة من أدوات القوة. فإيران لا تراهن دائماً على الانتصار العسكري الحاسم، وإنما على إنهاك الخصوم، وتوزيع أدوات النفوذ، وإطالة أمد التفاوض، وتحمل كلفة لا تستطيع أنظمة أخرى تحملها بالقدر نفسه. وهذه الفكرة تساعد على تفسير لجوئها إلى الشبكات اللامركزية والقوى الحليفة، بدلاً من المواجهة التقليدية المباشرة.
ويُحسب لسميرة رجب كذلك أنها لم تفصل الاستراتيجية العسكرية عن جذورها الرمزية؛ إذ ربطت بين الذاكرة الإمبراطورية، والموروث الديني، وخطابات التضحية والمظلومية والانتظار. وقد أظهر المقال كيف تستطيع السلطة مزج عناصر متباينة من التاريخ القومي والمذهبي لإنتاج سردية تمنح الصمود معنىً أخلاقياً، وتحوّل الإخفاق العسكري أو الاقتصادي إلى دليل على الثبات والمقاومة.
في المحصلة، يقدم المقال قراءة جريئة ومركبة للسلوك الإيراني، ويتميز بقدرته على الجمع بين التاريخ والأنثروبولوجيا السياسية والاستراتيجية. وأهم ما ينجزه أنه يدعونا إلى فهم إيران لا من خلال ما تقوله عن نفسها فحسب، بل من خلال الوظائف التي تؤديها الحرب في بنية نظامها.
تحية طيبة أستاذة سميرة على هذا المقال الرائع
أنا وجدت أن بلاد فارس (أيران حاليا) تصنع و تتوهم الخصوم ولاتعيش صراعا أو حربا مستمرة.
وفي التأريخ وجدت أحيانا مبررات لاتستحق الحرب لأنها لم تكون دفاعا عن نفسها أو حتى أذرعها (أحتلال الهند مثلا بسبب تجارة العرب للحرير والتوابل).