بعد مرور سبعة أشهر على الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في منطقة الخليج العربي، واستناداً إلى معطيات الأحداث الجارية، وتقارير موثقة، وإلى تحليلاتنا في المقالات السابقة، بدأت تتشكل صورة للحرب أكثر وضوحاً في أهدافها التكتيكية والاستراتيجية، التي تصب مجتمعة في مجرى الهدف الرئيسي، وهو “تشكيل نظام إقليمي جديد” كخطوة جوهرية في مشروع تغيير وجه الشرق الأوسط. وتحت مظلة هذا الهدف يشترك الصراع في الخليج (مضيق هرمز) مع الصراعات الأخرى في المشرق العربي (من سوريا ولبنان وفلسطين إلى اليمن)، بل يُعد امتداد مباشر لحرب غزة، وتنفيذ عملي لتصريحات نتنياهو، التي جاءت بعد يومين فقط (9 أكتوبر 2023) من هجوم حماس، أمام مسؤولين إسرائيليين بقوله: “أطلب منكم الصمود لأننا سنغير الشرق الأوسط”.(October 7, 2023: The day the middle east map was blown apart).

في حينه لم يركّز الإعلام (متعمداً) على هذا التصريح، وبدا للبعض مبالغاً فيه ومُستَبعَداً؛ لكنه في الواقع لم يكن مجرد خطاب تحفيزي، بل كان إعلاناً عن استراتيجية.

في الخطوة الأولى بدأ نتنياهو باستغلال أحداث 7 أكتوبر 2023 كذريعة استراتيجية للبدء بالعمليات الجراحية في خريطة المنطقة لتحقيق المشروع، حيث تشير التحليلات إلى أنه استخدم هجوم حماس “لتمهيد الطريق لمشاريع شرق أوسطية جديدة، بدءاً من غزة، ثم الضفة الغربية، ولبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، وإيران”؛ بمعنى أن الحرب على غزة لم تكن نهاية في حد ذاتها، بل كانت نقطة الانطلاق لإعادة تشكيل المنطقة بأكملها (المصدر السابق).

أما الخطوة الثانية فإنها تتسارع أمامنا بعملية “الفوضى المُدارة” لصراعات متفرقة، تلتقي جميعها في العمل على تفكيك وإعادة تركيب موازين القوة الإقليمية، وصعود إسرائيل إلى مرتبة الدولة الكبرى في “الشرق الأوسط الجديد”.

تشمل هذه الخطوة الحرب على إيران، للحد من نفوذها وقدراتها التهديدية، والذي تحقق بدءاً بإسقاط حليف إيران الاستراتيجي في سوريا (نظام الأسد).

ويمكن إيجاز الخطوة الثالثة في أنها هي مرحلة نقل المعركة إلى الخليج، بتوجيه ضربات أمريكية وإسرائيلية مباشرة على إيران، واجهتها الأخيرة بضرب دول الخليج، لعدم قدرتها على مواجهة الدولتين… ورغم ذلك لم يتحقق رغبة طرفي الصراع بتوسيع رقعته، بعد رفض دول الخليج مجتمعة الدخول في الحرب.

الرؤية الكبرى… “خريطة الفرص” الجديدة

إذن ما يحدث اليوم في الخليج والمشرق العربي ليس مجرد حرب على “مضيق”، بل هو أدق مرحلة في مشروع إعادة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، وتغيير وجه المنطقة، لخلق خريطة فرص جديدة لإسرائيل، وخريطة تهديدات ومخاطر لباقي دولها (“خريطة الفرص” تحولت لتهديدات.. حروب نتنياهو لم توفر الأمان لإسرائيل | القاهرة الاخبارية).

إن ما يحدث من صراع في مضيقي هرمز وباب المندب، ليس “حرباً أمريكية-إيرانية” منفصلة عن باقي أحداث المنطقة، بل هو الحلقة الأهم في سلسلة بدأت في 7 أكتوبر 2023، حين قرر نتنياهو أن “يغير وجه الشرق الأوسط”.

وفي بُعد آخر، يمكن القول إن ما تعيشه المنطقة اليوم هو نتاج تهيئة ممنهجة ومتراكمة على مدى العقود الأربعة الماضية، وأن إيران كانت أحد أبرز أدوات هذا المخطط، لكنها ليست صانعه الوحيد.

إيران… “الشبكة العابرة للحدود” كأداة استراتيجية

لم يكن الدور الإيراني خلال العقود الماضية مجرد صناعة ودعم ميليشيات، بل بناء شبكة عابرة للحدود (Transnational Network)، وظيفتها الأساسية فرض الهيمنة الإيرانية على دول المنطقة، وردع أي هجوم خارجي على إيران نفسها (جامعة جونز هوبكنز 2024: “Die Like Chamran: Iran and the Art of Proxy Warfare”)، وليس مهاجمة إسرائيل. هذه الشبكة، التي تشمل ميليشيات حماس وحزب الله والحوثيون والحشد الشعبي، والفاطميون، والزينبيون، وغيرها، تُستخدم كورقة ضغط متعددة الجبهات في أي مواجهة كبرى. إيران تستثمر في هذه الأذرع لإدراكها أنها لا تستطيع مواجهة أمريكا أو إسرائيل تقليدياً، فاختارت “حرب الظل” عبر الوكلاء.

لكن، هل كانت إيران صانعة هذه الشبكة، أم مستفيدة من فراغ خلقه آخرون؟

    إسرائيل… “الصانع الخفي” للميليشيات

    الحقيقة الموثقة أن حماس نفسها لم تكن مشروعاً إيرانياً في الأصل؛ وأن إسرائيل دعمت نشوء الحركات الإسلامية في فلسطين كـ”ثقل موازن” لمنظمة التحرير الفلسطينية العلمانية؛ وأن الحاكم العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة في الثمانينيات، الجنرال يتسحاق سيفيغ، أقر شخصياً بأنه ساعد في تمويل الحركة الإسلامية ضد اليسار الفلسطيني.

        العراق… فرض “النظام الطائفي” كأداة تفكيك

        في العراق، بعد الاحتلال (2003)، تم فرض نظام عرقي طائفي بدلاً من نظامه العلماني القومي، الذي يمنع الطائفية المنظمة، وجرى تفكيك الجيش وبنية الدولة، وفرض نظام المحاصصة الطائفية الذي وزع السلطة على أساس المذاهب والقوميات.

        هذا التحول لم يكن خطأً عفوياً، بل كان خياراً (أمريكياً) سياسياً أتاح لإيران النفوذ الاستراتيجي العميق في العراق عبر الأحزاب والميليشيات المذهبية التي صعدت إلى السلطة برعاية إيرانية لتتحول لاحقاً إلى أدوات ضغط على الوجود الأمريكي.

          “الربيع العربي”… تسريع الفوضى

          وبالعودة إلى ما حدث عام 2011 فلم يكن “ربيعاً” عابراً، بل كان أداة لتسريع عملية تفكيك الدولة الوطنية العربية. ففي سوريا، تحولت الاحتجاجات إلى حرب أهلية مفتوحة، وسمحت لإيران بتعميق وجودها العسكري عبر “الحرس الثوري” وحزب الله لدعم نظام الأسد. وفي اليمن، تحول الصراع إلى حرب بالوكالة بين السعودية وإيران عبر وكلائها. هذه الفوضى أضعفت الجيوش العربية وفتحت المجال لتدخلات إقليمية ودولية غير مسبوقة.

            عملية “طوفان الأقصى” وما تلاه…  نقطة التحول

            أما ما حدث في 7 أكتوبر 2023 (طوفان الأقصى) فيُنظر إليه كزلزال عسكري واستراتيجي غيّر وجه المنطقة، وبداية لحرب إسرائيلية مفتوحة امتدت من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران… واليوم، بعد مرور ثلاث سنوات، أصبحت الخسائر واضحة.

             بالمحصلة… من يُدير كل هذه الفوضى

            أن ما يحدث اليوم في الخليج مُهِّد له خلال العقود الأربعة الماضية، لكن الفاعلون متعددون؛ وما نعيشه اليوم ليس مخططاً واحداً، بل تداخل مخططات متضاربة؛ 1- مخطط أمريكي لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها، 2- مخطط إسرائيلي لتثبيت تفوقها، و3- مخطط إيراني لضمان بقاء نظامها ونفوذها، وقد أصبحت هدفاً للمخطط الذي استفادت منه.

            والمشهد الحالي في المنطقة هو تعبير عن مرحلة متقدمة من “إدارة الفوضى”، أو “الفوضى المُدارة”، التي تلعبها الولايات المتحدة في موسم حصاد هذه المخططات المتداخلة؛ حيث دول وطنية مُفككة، وشبكات ميليشيات عابرة للحدود، وحرب بالوكالة امتدت من غزة إلى الخليج.

            تغيير جيوسياسي بآليات جديدة

            بقراءة استراتيجية للأحداث المتسلسلة، يمكن القول إن ما حدث في المنطقة منذ 2003 (احتلال العراق) وحتى 2025 (سقوط الأسد) يعد مراحل متكاملة في مشروع جيوسياسي أكبر من ذات الأحداث، وآليات هيمنة جديدة تختلف عن لوجستيات مخططات الاستعمار القديم.

            لوجستيات الهيمنة الجديدة لم تعد تعتمد على آليات الاحتلال العسكري المباشر والاستيطان الأجنبي، بل على ما يمكن وصفه بـالهندسة السياسية، وهي: 1- خلق الفوضى من خلال “حروب بالوكالة” وبأدوات مثل الإرهاب والطائفية، بهدف إضعاف وتفكيك الدول الوطنية المركزية القوية وجيوشها… 2- استئناس الوكلاء، بتحويل الحركات المتطرفة من أعداء يُقاتلون إلى أطراف يمكن التفاوض معها أو دمجها في السلطة (كما في حالة طالبان أو هيئة تحرير الشام، أو في حالة الحوثي حالياً) لتحقيق أهداف سياسية… 3- إعادة تشكيل خرائط النفوذ، حيث الهدف النهائي هو إعادة ترسيم الحدود السياسية والأمنية بما يخدم التحالفات الجديدة وخريطة الفرص والتهديدات، كما يظهر بوضوح في صعود النفوذ التركي في سوريا الجديدة، وتآكل النفوذ الإيراني (أمريكا: انهيار الهيمنة الناعمة: من صناعة الأحداث إلى إدارة الفوضى).

            إن التحول من “احتلال مباشر” إلى “إدارة الفوضى” هو التطور الأبرز في استراتيجية الهيمنة الجديدة، مما يجعل من الصعب استخدام الأدوات، والنظريات، والمعايير القديمة لفهم ديناميكية التحولات الراهنة في بنية العلاقات الدولية “الجديدة”؛ هذه الديناميكية التي جعلت كل دول العالم ميادين مفتوحة للتدخل الأمريكي المباشر وغير المباشر، والتي حيّدت دور الأمم المتحدة ومنظماتها في التدخل لحماية الدول الصغيرة، وفرض العدالة. وهذا التحول البنيوي العميق في طبيعة الهيمنة الأمريكية توصف في أدبيات حديثة في العلاقات الدولية بأنها الانتقال من “الإمبراطورية المباشرة” إلى “الإمبراطورية غير المباشرة” أو “الهيمنة المفككة”، حيث لم تعد السيطرة تُفرض بالاحتلال العسكري المُكلِف، بل بإدارة الفوضى وتوجيهها… وهذا ما سيكون محور مقالات قادمة بإذن الله.


            اترك تعليقاً

            لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *