منذ اليوم الأول للحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية (28 فبراير 2026)، في الخليج العربي، أُثير تساؤل كبير حول حقيقة الأهداف غير المعلنة لهذه العمليات العسكرية التي اشتعلت دون مقدمات واضحة؛ وخصوصاً بأن أحداثها، وتفاصيلها، لا تشبه ما تم إعلانه من أهداف، في الوقت الذي لازالت ذكرى حرب احتلال العراق وأهدافها المزورة عالقة بالأذهان.
واليوم، بعد مرور أكثر من ستة أشهر على الحرب، لا زالت الرسالة الموحدة والواضحة حول الهدف من الحرب غائبة، إضافة إلى عدم تطابق أحداثها مع الأهداف المعلنة، مما يتطلب من القارئ بذل جهد مضاعف للبحث عن المعلومة والقراءة السليمة للحرب بعيداً عن التضليل.
إن استخدام الكذب والتضليل لتوجيه الرأي العام هو أداة منهجية ومتجذرة في تاريخ الولايات المتحدة، وليست مجرد ممارسة طارئة، حيث تشير المصادر إلى أن ما يُعرف بـ”إدارة التصورات” (Perception Management) هو تكتيك متبع منذ قرن على الأقل في البيت الأبيض ويتخذ أشكالاً متطورة بحسب كل عصر (How war propaganda has fueled American foreign policy for a century — Strategic Culture)، وقد اثبت الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، كما أثبتت الحرب على العراق (2003)، وغيرها، أن التضليل الإعلامي وعدم الوضوح في الأهداف هما فعلاً سمة منهجية في السياسة الخارجية الأمريكية، وليس مجرد استثناء.
حرب المضيق… وفوضي التصريحات
إن أكثر ما يثير الفضول والتساؤل في الحرب الدائرة في الخليج هو ظاهرة اختزالها في مضيق هرمز ومصادر الطاقة وممراتها، وفوضى تفاصيلها والتصريحات حولها، والتي بدأت قبل بدء الأعمال العسكرية الفعلية في حيز المنطقة ذاتها، مما يثير تساؤلاً مهماً حول الأسباب الفعلية التي أدت إلى توقف حركة النقل في المضيق فجأة؟ والتي توشي بأن هناك ما يتم تخطيطه وراء الأبواب المغلقة… هذه القراءة تأخذ القارئ بعيداً عن المشهد العسكري المباشر، إلى الأعماق الخفية للصراع الاقتصادي والمالي، لأن القرار الفعلي بتوقف حركة السفن تحكمه اعتبارات لا تقل حدة، وهي المخاطر المالية وتكاليف التأمين الباهظة (What stopping war-risk insurance in the Strait of Hormuz tells us | World Economic Forum)
شركات التأمين… العامل الخفي في إغلاق المضيق
في الواقع لم توقف الصواريخ الإيرانية حركة النقل بشكل مباشر بقدر ما جعلتها محفوفة بمخاطر، قبل انتقال العمليات العسكرية إلى محيط المضيق، مما دفع شركات التأمين إلى الانسحاب أو إعادة التسعير بأسعار خيالية؛ إذ في غضون ساعات من بدء العمليات العسكرية في الأيام الأولى للحرب، علّقت كبرى شركات التأمين البحري الخاصة (في لندن)، مثل “نورث ستاندر” و”نادي لندن بي آند آي”، تغطيات أخطار الحرب في الخليج، تاركة السفن دون حماية تأمينية، وكان هذا بمثابة انسحاب شركات القطاع الخاص من مسؤولية تأمين ناقلات النفط والشحن في منطقة الخليج (علاء الزهيري: شركات التأمين تعيد تسعير أخطار الحرب – جريدة حابي).
أدى ذلك القرار إلى ارتفاع جنوني في أقساط التأمين على أضرار الحرب من 0.05% و0.25% إلى ما بين 1.5% و3% من قيمة السفينة، وهو ما يعني مئات الآلاف من الدولارات الإضافية لكل رحلة؛ وفي ذروة الاضطراب بلغ الارتفاع إلى 7.5% و10% (وبعض المصادر إلى 12.5%) وهو ما يعني عشرات الملايين من الدولارات الإضافية لكل رحلة، مما يفقد الرحلة من جدواها الاقتصادي (Larak Island strikes add pressure to an already stressed war-risk market | Insurance Business).
ومن القرارات الأولى والمبكرة ايضاً جاءت فيما أشار إليه الخبراء بأن شركات التأمين ستقوم بالتسعير قبل ست ساعات فقط من موعد الرحلة، وإن صلاحية وثيقة التأمين لا تتجاوز بضعة أيام، أي لا تغطي فترة الرحلة كاملة، مما خلق حالة من الفوضى وعدم اليقين التام (علاء الزهيري: شركات التأمين تعيد تسعير أخطار الحرب – جريدة حابي).
ذكرت تقارير أن حركة العبور في المضيق انهارت بنسبة 81% و95% في ذروة الأزمة، وهذا يؤكد أن توقف حركة النقل كان شبه كامل، والسبب الرئيسي هو غياب التأمين الذي يجعل الإبحار مقامرة مالية لا يمكن تحملها (المصدر السابق).
الممارسة المذكورة تعني أن السوق المالية العالمية قتلت حركة النقل قبل أن تقتلها الصواريخ، وإن شركات التأمين لم تعلن الحظر، لكنها حولت عملية التأمين إلى “مقامرة فورية” مستحيلة الاستمرار في نظام التجارة العالمية الذي يقوم على التخطيط طويل المدى. فأصبحت الناقلات تواجه خياراً واحداً: إما الإبحار دون تأمين (وهو جنون قانوني ومالي)، أو التوقف تماماً. وهو ما حصل فعلاً، حيث انهارت حركة المرور في المضيق بنسبة تجاوزت 80% في ذروة الأزمة (المصدر السابق).
هذه هي الهندسة المالية للصراع الحديث؛ هي ليس سلاحاً يمنعك من المرور، بل ورقة تأمين تجعل المرور مكلفاً جداً بحيث تختار التوقف بنفسك.
الأهداف الحقيقية… لعبة تتجاوز المضيق
وهنا يتجلى بوضوح أن أهداف الحرب في منطقة الخليج العربي تتجاوز مسألة مجرد فتح أو إغلاق ممر مائي، بل يندرج الأمر في إطار واسع جداً، لا يقل عن إعادة تشكيل النظام الاقتصادي والجيوسياسي العالمي… وهنا استشراف بأهم الأهداف الحقيقية المحتملة (وغير المعلنة) كما تراها بعض المصادر.
الأول: إعادة تشكيل سوق النفط والضغط على الصين
يرى محللون أن الهدف الأعمق للولايات المتحدة هو السيطرة على تدفقات النفط، لا لتمتلكه، بل لقطع النفط الرخيص عن الصين (“لا نفط رخيص للصين.. الهدف للحرب الأمريكية على إيران”- الجزيرة نت)، والتي تعد أكبر مستورد له من الدول الواقعة تحت العقوبات، مثل إيران وروسيا وفنزويلا. فالصين تستورد حوالي 2.6 مليون برميل يومياً من هذا النفط بأسعار مخفضة تصل إلى 10-20 دولاراً للبرميل، وهو أقل من السعر العالمي… ومن خلال إعادة رسم خريطة المخاطر وإغلاق المضيق، تسعى واشنطن لرفع تكلفة النفط الخليجي والإيراني (بعد الفنزويلي) على الصين، واستخدام الطاقة كورقة تفاوضية في الصراع التجاري والاقتصادي الأوسع (المصدر السابق).
الثاني: إعادة هيكلة النظام المالي والتأميني
تشير تطورات أزمة مضيق هرمز إلى تحول تاريخي في دور الحكومات في النظام الرأسمالي الغربي، حيث أصبحت هي المؤمِّن النهائي للتجارة العالمية بعد انسحاب شركات القطاع الخاص في لندن. فبعد أن كانت سوق لويدز اللندنية هي الضامن الأساسي للتجارة البحرية لأكثر من ثلاثة قرون، انسحب القطاع الخاص هذه المرة في غضون 72 ساعة من بدء الحرب، وتدخلت الحكومة الأمريكية مباشرة عبر مؤسسة التمويل الدولية (DFC) (مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (U.S. International Development Finance Corporation التي أنشأتها لتقديم برنامج إعادة تأمين بقيمة 20 مليار دولار في أوائل مارس، ومع 3 أبريل توسعت ليصل إلى 40 مليار دولار. هذا الانتقال من القطاع الخاص إلى القطاع الحكومي هو تحول جوهري يغير قواعد اللعبة (The Insurance War: How Iran Crisis Ended Britain’s 300 Years Hold Over Global Energy Trade | Times Now).
الثالث: فرض نظام إقليمي جديد
في الواقع، الصراع في الخليج بشكل عام يدفع القارئ إلى قراءة جديدة لتطورات الدور الأمريكي في المنطقة، من منظور حربها على تشكيل نظام دولي جديد يحفظ نفوذها في تنافس متسارع مع القوى المنافسة الكبرى… وهذا ما يدفع إلى قراءة الصراع الأمريكي في الخليج العربي على نطاق أوسع كجزء من استراتيجية أمريكية لفرض نظام إقليمي جديد، يضمن عدم بقاء مضيق هرمز تحت النفوذ الإيراني، أو حتى العربي. ووفقاً لهذه القراءة، فإن ورقة الضغط الإيرانية (إغلاق المضيق) قد انقلبت عليها، حيث استخدمها ترامب لحشد تحالف دولي ضد طهران، وفرض سيطرة بلاده على المضيق (What stopping war-risk insurance in the Strait of Hormuz tells us | World Economic Forum).
بإيجاز، إن لعبة الصراع على مضيق هرمز لا تتعلق بالممر المائي وحده، بقدر ما يشكل المضيق ساحة معركة معقدة تُستخدم فيها الصواريخ وأسواق التأمين والنفط كأسلحة. وإن التوقف الفعلي للملاحة لم يتحقق بالقوة العسكرية الإيرانية وحدها، بل كان نتيجة قرار صدر من لندن وواشنطن، تسبب في شلل أصاب البنية المالية (شركات التأمين) التي تقوم عليها التجارة العالمية، وهو ما أدى إلى تدخل حكومي غير مسبوق، فهل هذا الشلل (القرار) كان واقعياً أم مفتعلاً؟، هذا ما ستكشفه الأيام… ولكن هنا يمكن القول إن الأهداف الحقيقية للحرب التي أصبحت مختزلة (تقريباً) في الصراع على مضيق هرمز هي في الحقيقة جزء من لوجستيات إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، والضغط على الخصوم الاستراتيجيين (الصين)، ورسم ملامح نظام إقليمي وعالمي جديد. وأن ما يتم تداوله في الإعلام حول أهداف هذا الصراع يدخل في خانة التضليل لتوجيه الرأي العام العالمي.
في المقال القادم سنحاول الإجابة على سؤال يلح على القارئ كأحد نتائج ما تم ذكره في قواعد اللعبة المذكورة في هذا المقال، وهو: هل إذا انسحبت إيران من المضيق، ووافقت على شروط أمريكا، ستنقلب اللعبة وستخسر أمريكا اهدافها الرئيسية من الحرب (اللعبة)؟!.
