في هذا المقال نحاول وضع إجابات على أسئلة لربما تشغل عدد من المحافل الفكرية والسياسية، في ظل الأزمة التي تعيشها منطقة الخليج منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتي اختلطت فيها الأوراق، وبات التضليل الإعلامي من أهم عناصرها. ستتمحور هذه الإجابات حول سؤال رئيسي، وهو كيف تضمن دول الخليج أن يكون أمنها جزء أساسي من أي اتفاق أمني في المنطقة، وليس نتيجة له، وبما يضمن استقرارها، وإنجازاتها، ومصادر الطاقة، وإمداداتها؟
هذا السؤال هو جوهر المأزق الاستراتيجي الذي تجد دول الخليج نفسها فيه اليوم، حيث إن تجربتها مع اتفاق 2015، حول البرنامج النووي بين إيران والولايات المتحدة، الذي تم توقيعه دون مشاركتها وترك قدرات إيران الصاروخية دون رادع، شكلت نقطة تحول. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الخليج اليوم يرفض أن يكون مجرد “طبق سياسي” على مائدة الآخرين.
إن الاتفاق، الذي ركَّز فقط على البرنامج النووي وتجاهل السلوك الإقليمي الإيراني، غيّب الصوت الخليجي وترك المنطقة لتواجه “حصاد الصواريخ والطائرات المسيرة”… جيران إيران هم من تعايشوا مع هذا التهديد يومياً، وبدلاً من أن يُقَلّص ذلك الاتفاق التوتر، مهّد الطريق لجولة تصعيد جديدة… لذلك، من الضروري أن يكون المطلب الخليجي الأول والأساسي اليوم هو تحويل الأمن من “نتيجة ثانوية” إلى “شرط مسبق”.
قد لا نشك في إن دول الخليج العربي تسعى اليوم جاهدة لتحويل الأمن من نتيجة إلى شرط أساسي، لكن نجاحها مرهون بقدرتها على توحيد صفها داخلياً، وإقناع الولايات المتحدة بالتزام طويل الأمد، وإيجاد صيغة مع إيران تسمح ببناء حد أدنى من الثقة.
الطريق أمام هذه الدول لا يزال طويلاً وشاقاً، لكنها باتت تدرك أن أمنها إما أن يكون في قلب أي اتفاق، أو لن يكون هناك اتفاق يمكن الوثوق به.
الدور الخليجي الفاعل في أي ترتيب إقليمي مستقبلي
تعد حرب فبراير 2026 بمثابة زلزال استراتيجي، دمر بشكل قاطع أحد الثوابت التي أرستها دول الخليج لعقود، وأثبت أن أمنها واستقرارها لا يمكن أن يكونا مرهونين بترتيبات إقليمية لا تقودها… لذلك تعبر التحليلات والتصريحات الصادرة منذ بدء هذه الحرب عن إجماع خليجي قوي، مفاده أن أي نظام إقليمي جديد لن يُكتب له النجاح أو الاستدامة من دون دور خليجي مباشر في صميم تصميمه وتنفيذه… لقد انتقل المطلب الخليجي من “أن يكون لنا صوت” إلى “أن نكون جزءاً لا يتجزأ من أي معادلة”.
إن الوصول إلى أي تفاهم أو اتفاق أمريكي-إيراني أصبح الآن مرهوناً على مدى استيعابه للتحول الجذري في المعادلة الخليجية، وعلى إن استقرار الخليج بعد أن كان يُعتبر هبة من ترتيبات خارجية، أصبح اليوم شرطاً مسبقاً لنجاح أي ترتيب إقليمي جديد، وإن هذا التحول يمثل نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، حيث ينتقل الخليج من منطقة “يُتفاوض عليها” إلى منطقة “تتفاوض نيابة عن نفسها”.
المقاربة الخليجية في التعامل مع الملفات السياسية والأمنية
إن هذه المرحلة العصيبة أسهمت بشكل كبير في تعزيز مقاربة خليجية أكثر تماسكاً في التعامل مع الملفات السياسية والأمنية، وإن كانت لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب من التكامل الأمني والسياسي المطلوب، إلا إن الأزمة شكلت ضغطاً هائلاً كشف حدود الاعتماد على المقاربات الوطنية المنفردة، مما دفع دول مجلس التعاون الخليجي نحو مزيد من التنسيق والتفاهم المشترك.
على المستوى الدبلوماسي فقد التزمت دول الخليج بالدبلوماسية الموحدة، بصوت واحد في المحافل الدولية…
على مستوى الدفاع المشترك شكّل التهديد العسكري المباشر حافزاً قوياً لتجاوز التنسيق النظري إلى التكامل العملي.
كما في الجانب الاقتصادي من التنسيق الخليجي، الذي شهد تحولاً غير مسبوق خلال هذه الحرب، حيث انتقلت دول المجلس من “التعاون التقليدي” إلى مستوى جديد من “التكامل العملي والاستباقي”، إدراكاً منها أن الأمن الاقتصادي لم يعد مجرد قضية تنموية، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي.
لقد تعاملت دول الخليج مع هذه الحرب الصعبة ككتلة سياسية وأمنية أكثر تماسكاً مما كانت عليه قبلها؛ وإن اعتماد مبدأ “الأمن غير القابل للتجزئة”، وتوحيد الصوت دبلوماسياً، وتفعيل آليات الدفاع المشترك والتنسيق العسكري تعد إنجازات كبيرة في مسيرة العمل الخليجي المشترك، مما يؤكد بإن الأزمة قد كشفت وبشكل قاطع أن التهديدات الحالية تتطلب مقاربات جماعية؛ وإن الاختلافات في التوجهات الاستراتيجية تظل تحديات حقيقية، أمام التحول إلى هيكل أمني دائم ومتكامل.
من القوة الاقتصادية إلى منظومة أمنية متكاملة
يمثل الانتقال من “التنسيق” إلى “التكامل” تحولاً جوهرياً. وهذا التحول يتطلب إدراكاً بأن التهديدات المشتركة تستدعي رداً مشتركاً، وأن الأمن الجماعي لم يعد خياراً، بل ضرورة. كما أن التكامل لا يعني التضحية بالسيادة الوطنية، بل هو تعبير عن قوة هذه السيادة من خلال العمل الجماعي، مما يجعلها أكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات الإقليمية والعالمية.
هذا التحول لن يكتمل بين ليلة وضحاها، لكن الحرب الأخيرة أثبتت أنه السبيل الوحيد لضمان مستقبل آمن ومستقر لدول الخليج.
قوة مسؤولة تحمي الاستقرار دون الانجرار للتصعيد… نموذج خليجي
إن معادلة القوة المسؤولة لحماية الاستقرار دون الانجرار للتصعيد هي نموذج خليجي يمكن تطويره، وصياغة مفهومه على إنه “قوة ردعية دفاعية متكاملة، في إطار خليجي موحد، مع شبكة تحالفات متنوعة، ومرونة مجتمعية مستدامة، ودبلوماسية استباقية – تحمي الاستقرار، وتردع المعتدي، وتجنب التصعيد، وتصمد في كل السيناريوهات.”
هذا هو الطريق لتحويل “النموذج الخليجي” المؤقت إلى مدرسة دائمة في إدارة الأمن والاستقرار، لا في الخليج فقط، بل كنموذج يُحتذى به للدول الصغيرة والمسالمة في عالم مضطرب.
إن الاستراتيجية الخليجية ليست “صبر المغلوب على أمره”، بل هي “صبر من يملك زمام المبادرة”…
إنها معادلة متقدمة تتجاوز الردع التقليدي، وترتكز على ثلاث ركائز، بحسب مفهومي، وهي 1- قوة ردع متطورة تمنع التصعيد؛ و2- دبلوماسية نشطة تحاصر الخصم؛ و3- اقتصاد قوي يمتص الصدمات… ويكمن سر هذه الاستراتيجية في قدرتها على تحويل التهديد إلى فرصة لإعادة تعريف قواعد اللعبة الإقليمية، وإثبات أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على تجنب الحرب، وليس فقط الفوز بها.
ترسيخ قاعدة أمن الخليج أساس استقرار المنطقة
في المجال الأكثر اتساعاً، لم يعد ترسيخ قاعدة أن أمن الخليج العربي (مركز الطاقة في العالم) هو ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة مجرد طموح، بل هو واقع تتشكل ملامحه بسرعة، وهو مبدأ حظي باعتراف متزايد من القوى الإقليمية الكبرى والدولية، وتَرَسّخَ من خلال الإجراءات الدبلوماسية الملموسة في أروقة الأمم المتحدة، وتجسّدَ في المبادرات الدولية، وفي بناء شراكات متكافئة، وصار جزءاً لا يتجزأ من لغة الحوار الرسمي والاستراتيجيات الأمنية للدول الفاعلة، مما أسهم في تعزيز مكانة دول الخليج كلاعب لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية.
إن ما نشهده اليوم في الخليج هو إعادة تعريف جذرية لمفهوم الأمن الإقليمي. فبعد عقود من التفاعل مع المتغيرات، انتقل الخليج العربي إلى موقع صانع التوازنات، برؤية قوامها التكامل الداخلي، والشراكة المتكافئة، والردع القائم على المنع.
هذه الرؤية ليست مجرد رد فعل على أزمة عابرة، بل هي خلاصة تراكم الخبرات والاستعداد الاستباقي. قوة هذه الرؤية تنبع من إدراك دول الخليج أن أمنها لم يعد هامشياً، بل أصبح ركيزة أساسية لأمن واستقرار المنطقة والعالم، وهي تتصرف اليوم بناءً على هذا الإدراك بثقة واقتدار.
الخليج في ظل التحولات
أن موقع الخليج في المرحلة المقبلة لن يكون مجرد موقع دولة أو مجموعة دول تتفاعل مع الأحداث، بل سيكون موقع منظومة إقليمية فاعلة، تعيد تعريف قواعد اللعبة، حيث أصبح الخليج في معادلات القوى الكبرى عنصراً محورياً لا يمكن تجاوزه… أما نجاحه في ترسيخ هذا الموقع فيتوقف على قدرته على تحويل التماسك السياسي إلى تكامل هيكلي… وعلى تحويل القوة الاقتصادية إلى أداة جيوسياسية ناعمة وصلبة… وعلى تحويل القدرات الدفاعية إلى رادع يمنع الحرب، لا يشنها.
هذا هو جوهر “الشراكة المتكافئة والردع الذاتي”، وهو ما سيمثل الركيزة الأساسية لدور الخليج في النظام الإقليمي الجديد… وهذا ما يمكن تحويله من مرحلة تحدٍ أمني إلى فرصة تعزز مكانة الخليج كركيزة للاستقرار الإقليمي.
إن التحول من تحدٍ أمني إلى فرصة استراتيجية يتطلب قيادة حكيمة تنظر إلى ما بعد الأزمة، وإرادة سياسية لتحويل الدروس إلى قرارات هيكلية، ومجتمع واع يدعم هذه التحولات.
على المستوى الأمني يمكن أن يكون الخليج في المرحلة المقبلة حجر الزاوية في نظام دفاع إقليمي متكامل، وعلى المستوى السياسي أن يكون الوسيط الموثوق وصانع التوازنات؛ وعلى المستوى الفكري فإن الخليج يمثل نموذجاً للدولة المسؤولة التي تحمي استقرارها وتسهم في استقرار العالم. أما اقتصادياً فالخليج العربي يعد مركز الطاقة والخدمات اللوجستية والمالية الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
هذا هو الطريق لتحويل المرحلة العصيبة التي يمر بها خليجنا العربي من “تحدٍ وجودي” إلى “فرصة تأسيسية” لمرحلة جديدة من القوة والنفوذ.

تقدّم المفكرة العربية سميرة بن رجب في مقالها الأسبوعي في صحيفة “أخبار الخليج” البحرينية قراءة استراتيجية تتجاوز متابعة تطورات الأزمة الراهنة إلى محاولة استشراف موقع الخليج العربي في النظام الإقليمي الذي قد يتشكّل بعدها. والمقال لا يتعامل مع أمن الخليج بوصفه ملفاً دفاعياً منفصلاً، بل يضعه ضمن منظومة مترابطة تجمع بين الأمن والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية والوعي المجتمعي.
وفكرة المقال المركزية أو الأكثر قوة، في رأيي، تتمثل في الدعوة إلى تحويل أمن الخليج من “نتيجة” لاتفاقات تصوغها القوى الأخرى إلى “شرط مسبق” لنجاح أي ترتيب إقليمي. وهذه صياغة موفقة تعبّر عن انتقال مطلوب من موقع المتأثر بالاتفاقات إلى موقع الشريك في تصميمها وتنفيذها. كما تتجلى قوة هذه الفكرة في العبارة التي تشير إلى انتقال الخليج من منطقة “يُتفاوض عليها” إلى منطقة “تتفاوض نيابة عن نفسها”، وهي من أكثر عبارات المقال قدرة على تكثيف التحول الاستراتيجي الذي تدعو إليه الكاتبة.
ومن نقاط القوة كذلك أن المقال لا يحصر القوة في بعدها العسكري، وإنما يقدّم مفهوماً أوسع لـِ “القوة المسؤولة”، يقوم على ثلاث ركائز: أولى هذه الركائز هو ردع متطور يمنع التصعيد، وثانياً دبلوماسية نشطة تحاصر مصادر التهديد، وثالثاً اقتصاد قوي يمتص الصدمات. وتمنح هذه المعادلة المقال عمقاً مهماً، لأنها تنقل النقاش من سؤال امتلاك السلاح إلى سؤال بناء القدرة الشاملة على حماية الاستقرار. فالقوة، وفق هذا التصور، لا تُقاس فقط بالقدرة على خوض الحرب، وإنما بالقدرة على منعها، وإدارة الأزمات، والمحافظة على تماسك الدولة والمجتمع والاقتصاد.
ويُحسب للمقال أيضاً تأكيده أن التكامل الخليجي لا يتعارض بالضرورة مع السيادة الوطنية، بل يمكن أن يكون وسيلة لتعزيزها. وهذه فكرة جديرة بالتوقف عندها. لأن كثيراً من مشروعات العمل العربي المشترك تعطلت نتيجة النظر إلى التكامل باعتباره انتقاصاً من القرار الوطني، في حين يطرح المقال فهماً مغايراً يرى أن السيادة تصبح أكثر فاعلية حين تُمارس ضمن قدرة جماعية قادرة على الردع والتفاوض والتأثير.
وتظهر قوة أخرى في الربط بين الأمن الاقتصادي والأمن القومي. فالمقال يدرك أن الطاقة والخدمات اللوجستية والمالية وسلاسل الإمداد ليست قطاعات اقتصادية محايدة، وإنما أدوات قوة جيوسياسية ومكونات أساسية في قدرة دول الخليج على الصمود. وبذلك لا يعود الاقتصاد مجرد وسيلة لتمويل الدفاع، بل يصبح في ذاته جزءاً من منظومة الردع وتعزيز المكانة الدولية.
كما يتميز المقال بنبرة واثقة تراهن على قدرة دول الخليج على تحويل الأزمة من تهديد وجودي إلى فرصة تأسيسية. وهو لا يدعو إلى التصعيد أو البحث عن المواجهة، بل إلى بناء “ردع يمنع الحرب ولا يشنها”. وهذه رؤية متوازنة تجمع بين تجنب المغامرة وعدم الارتهان للحماية الخارجية، وبين بناء الشراكات الدولية وتنمية القدرة الخليجية الذاتية.
أخيراً.. كأنني أقرأ بين السطور سؤالاً هاماً يفتح أفقاً أوسع للحوار هو: هل تمتلك دول الخليج اليوم مجرد موقف موحد فرضته الأزمة، أم أنها تقف فعلاً أمام لحظة تاريخية تسمح بالانتقال من التنسيق عند الخطر إلى بناء منظومة أمن ومصير مشترك؟