مع بداية حرب الولايات المتحدة على إيران، والتي واجهتها إيران بالحرب على دول الخليج، بدأت بالتوازي حرب إعلامية ومعلوماتية شرسة ضد دول الخليج، بتزييف الحقيقة وتشويه الصورة، للتأثير على المعنويات، والاقتصاد، وزرع الخلافات والضغائن، وإضعاف الجبهة الداخلية… وإنصافاً لمبادئ وقيم الحق والعدالة والتعايش السلمي والتسامح الديني التي نشأت عليها أجيال الخليج في نموذج تنموي وحضاري مميز، واستحقاقاً للتاريخ والمستقبل، سنحاول هنا سرد الواقع الذي تعيشه بلداننا وشعوبنا الخليجية، في هذه اللحظات الاستثنائية الراهنة.
فجوة الإدراك بين الصورة الداخلية والخارجية
خلقت وسائل الإعلام فجوة كبيرة بين الحقيقة والتضليل؛ بين حقيقة واقع الحياة اليومية الذي يعيشه الناس على الأرض في دول الخليج خلال هذه الأزمة، والصورة المرعبة المضللة التي تعكسها في تقاريرها ونشراتها الإخبارية. فقد أظهرت تحليلات وسائل الإعلام أن التغطية الإخبارية للصراع مسيسة إلى حد كبير، بينما كان الواقع أكثر استقرارًا مما توحي به العناوين الرئيسية. هذا “التباين في الإدراك” يجعل الحياة اليومية تبدو طبيعية لمن يعيش في قلب المنطقة، بينما يراها العالم الخارجي مسرحًا للحرب الشاملة.
طوال خمسة أشهر (منذ 28 فبراير 2026) والخليج يعيش مشهداً حربياً سريالياً، قاسياً، حيث الاساطيل الأمريكية تستهدف إيران بأطنان من القاذفات انطلاقاً من أساطيلها وبوارجها في البحر القريب من سواحل إيران، والأخيرة لا ترد على مصادر النيران، بل نيرانها تستهدف دول الخليج، التي منذ اللحظة الأولى أعلنت أنها لا ترغب في الدخول بهذه الحرب، ولجأت للدبلوماسية… ومن واقع أن هذه الدول ليست طرفًا في النزاع الأساسي، بل تجد نفسها في مرمى النيران رغماً عنها، فلا يوجد وصف للسلوك الإيراني إلا بأنه ممارسة لسياسة توسيع ممنهجة للصراع، بهدف تحقيق أهداف استراتيجية من خلال تحويل المنطقة بأكملها إلى ساحة مواجهة، لتشمل دولاً لم تختر الانخراط فيها.
هذه الاستراتيجية، رغم أنها تهدف إلى كسب ورقة تفاوضية، إلا أن إيران تخاطر بتوحيد المنطقة ضدها ودفع هذه الدول إلى تحالفات دفاعية أكثر صلابة، مما قد يحقق عكس النتيجة التي ترجوها.
في الجانب الآخر تعيش دول الخليج العربي ظاهرة فريدة من نوعها، بمعنى إنها لم تحدث في مناطق الأزمات الأخرى… هي ليست فريدة من نوعها بمعنى أنها منيعة على التأثر، بل هي ظاهرة تمثل نموذجاً استثنائياً في كيفية إدارة الأزمات الوجودية تحت الضغط، مع الحفاظ على تماسك الدولة والمجتمع، هذه الفرادة تنبع من ثلاثة مستويات مترابطة، بدءاً بمستوى البنية السياسية والاجتماعية العميقة، ثم مستوى المرونة الاقتصادية واللوجستية، إضافة إلى مستوى التحول الاستراتيجي في مفهوم الأمن، وإن كان هذا النموذج يواجه الآن اختباراً قاسياً.
استثنائية النموذج السياسي والاجتماعي الخليجي
تُشير تحليلات السياسة إلى مفهوم “الاستثنائية الخليجية (Gulf Exceptionalism) الذي يرى أن دول الخليج تعمل بمنطق مختلف عن باقي المنطقة. هذا الاستثناء لا يقوم على الثروة النفطية فقط، بل على بنية أعمق، هي بنية الشرعية التاريخية والاجتماعية، بجانب البنى القانونية والاقتصادية الراسخة في هذه الدول. هنا اثبتت الدول الخليجية إنها ممالك عربية مسلمة متجذرة في الروابط القبلية العربية، والاستمرارية الأسرية، والمرجعية الدينية، وعلاقة تاريخية وأخلاقية وإنسانية عميقة بين الحاكم والمحكوم (Why Gulf exceptionalismis being revised, not broken – Oman Observer)
هذه الاستثنائية الخليجية أسست تماسكاً اجتماعياً أثبتت قوتها في مواجهة الأزمات، وخصوصاً في هذه الأزمة التي فُرِضَت على المنطقة، لذلك لم تؤدِ الحرب الحالية، رغم وصولها إلى الأراضي الخليجية، إلى انهيار الدولة أو المجتمع. هذا التماسك اساساً يعود إلى “مرونة” النموذج السياسي الخليجي، الذي يجمع بين الردع العسكري، والرفاه الاجتماعي، والقدرة على التكيف. هذا ما يفسر استمرار ملامح الحياة الطبيعية التي يعيشها الخليجيون رغم الأزمة، وهو ما يمثل تحدياً للسيناريوهات التشاؤمية التي تتنبأ بانهيار هذه الدول.
مرونة استثنائية في مواجهة الصدمات
في المستوى الثاني فإن المرونة الخليجية الاستثنائية في مواجهة الصدمات، والتي ايضاً عاصرناها في أزمة كوفيد-19، اثبتت نجاحاً ملموساً في الجمع بين التخطيط الاستباقي والقدرة على التكيف السريع في مواجهة الحرب التي تستهدف البنى التحتية والاقتصاد.
أظهرت الحرب أن دول الخليج التي استثمرت في البنية التحتية كخط دفاع أول، وفي أمن البنية التحتية للطاقة، وفي بدائل استراتيجية، مثل خطوط الأنابيب التي تتجاوز مضيق هرمز (كخط الشرق-الغرب في السعودية، وخط حبشان-الفجيرة في الإمارات) كانت أقل تضرراً من الدول التي تعتمد على ممر بحري واحد. هذا يُظهر أن “المرونة” تُبنى قبل الأزمة.
واجهت الحكومات الخليجية صدمة إغلاق المضيق وارتفاع تكاليف التأمين والشحن بسرعة، وأثبتت قدرتها على التكيف الاقتصادي والإداري السريع في أصعب الأزمات، من خلال تمديد فترات الاعتماد الجمركي، وتقديم تسهيلات ائتمانية للشركات، ودعم الشركات الوطنية الاستراتيجية لمنع أزمة السيولة من التحول إلى إفلاس. هذه الاستجابة السريعة، التي صقلتها تجربة جائحة كورونا، حالت دون انهيار اقتصادي شامل (Beyond Hormuz)، ومَكّنَت الدول من الحفاظ على مستوى المعيشة المعتاد لشعوبها، رغم أزمة الحرب.
إن المرونة والتكيف السريع مع الأزمة، تثبت مدى استفادة دول الخليج من تجارب دول أخرى تعرضت بنيتها التحتية للهجوم، ونجحت في حماية خطوط الأنابيب وبناء مراسي بحرية بديلة، كما نجحت في تحصين شبكات الكهرباء وإنشاء فرق صيانة سريعة وربط شبكات الطاقة إقليمياً… وهذا ما يظهر القدرة الاستثنائية في التعلّم المؤسسي وتطبيق الدروس في سياق محلي معقد.
إعادة هيكلة مفهوم الأمن في “عالم متعدد الأقطاب”
تجاوزت ظاهرة الفرادة الخليجية، الجانب الدفاعي في هذه الأزمة، لتصل إلى إعادة هيكلة مفهوم الأمن ذاته، وهو تحول استراتيجي لربما يعود إلى تراجع الثقة في التحالفات الأمنية التقليدية، والوصاية الأمريكية، التي استمرت لعقود، وهذا ما استشرفناه في مقالات سابقة نشرت في بداية الأزمة، وبات اليوم أقرب للواقع.
من البديهي إن دول الخليج أدركت مبكراً من واقع الأزمة الراهنة التي لم يسبق لها مثيل في المنطقة منذ بداية عهد النفط، أدركت ما يستدعي التوجه إلى تحالفات أكثر مرونة، تتغير حسب المصلحة، كنهج عملي لا يشبه التحالفات القديمة الجامدة… كما أدركت إن الأمن لم يعد مجرد ردع عسكري، بل يشمل أمن الطاقة، وبنيتها التحتية، في مشاريع تهدف إلى خلق ترابط اقتصادي، قد يكون أكثر متانة من المعاهدات الرسمية.
إن خلجنه الحرب كشفت الفجوة بين كتابة وتوقيع الاتفاقيات الأمنية وبين تنفيذها… وأثبتت إن هذه الاتفاقيات لم تعد درعاً واقياً لحماية أمن الخليج وأمن الطاقة، مما أجبر، أو سيجبر، الدول الخليجية على إعادة ترتيب معادلاتها ومفاهيمها الأمنية بالكامل.
من المهم هنا التأكيد على أن وصف الظاهرة بـ”الفريدة” لا يعني أنها ظاهرة منيعة… حيث واقع الحرب يكشف نقاط ضعف جوهرية، أهمها هو أن استمرار الحياة الطبيعية لا يلغي حقيقة أن الحرب أوقعت خسائر اقتصادية فادحة في قطاعات محددة. ورغم أن هذا الأمر يعد طبيعياً في فترات الحرب، إلا أن النظام الاقتصادي الخليجي يرفضه، لينتقل مباشرة إلى إيجاد بدائل مساندة، ومحافظة على استمرار نمط الحياة الطبيعية التي يعيشها الشعب الخليجي عموماً… حتى انتهاء الأزمة.
الفرادة الخليجية بالإجمال تظهر في القدرة الاستثنائية لدول الخليج على الصمود وإعادة اختراع نفسها في خضم الحرب. إنها نموذج يجمع بين شرعية سياسية متجذرة، ومرونة اقتصادية مبنية على استباقية وتخطيط، وتحول استراتيجي في مفهوم الأمن نحو شبكة مرنة من التحالفات والمصالح.
ورغم ذلك، وبكل مرونة، نؤكد لأنفسنا أن التحدي الحقيقي اليوم هو ما إذا كانت هذه الآليات قادرة على تحويل هذا الصمود إلى استقرار دائم بعد زوال العاصفة، أم أن الحرب ستغير من طبيعة الاستثناء الخليجي نفسه… كما نؤكد إن هذا التحدي الاستفزازي يدركه الخليجيون، قيادات وشعوب، إرادات وعقول، والعمل به، بالتخطيط الهادئ، قد بدأ مبكراً برؤية واثقة نحو التقدم إلى الأمام.
