ما كانت الولايات المتحدة لتعمل على حشد اساطيلها في الخليج، وبدء حرب غير محددة الأمد، دون هدف استراتيجي ذات علاقة بتحولات النظام الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط.

وما كانت الجيوش الأمريكية لتنسحب من العراق، كما يَدّعي الإعلام، بدون استراتيجية معنية بهندسة جديدة للدور الأمريكي في المنطقة.

فما هي هذه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة- القديمة؟

تؤكد استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكي 2026، إن الجيش الأمريكي سيعمل على إعادة هندسة الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، من “الحماية المباشرة” إلى “التمكين والوكالة”، مع بناء جبهة إقليمية لاحتواء إيران، تضم إسرائيل والدول العربية، وتثبيت ترتيبات أمنية جديدة تُقلّص الاعتماد على القواعد الأمريكية الثابتة والضخمة (استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكي للشرق الأوسط : 28 يناير 2026)

الاستراتيجية الدفاعية المذكورة تضع إطاراً واضحاً لتمكين الحلفاء الإقليميين من تحمل المسؤولية الأساسية في ردع إيران والدفاع ضدها. وهذا يعني أن واشنطن تريد أن تكون “الضامن” و”المُمَكِّن”، وليس “الحامي الوحيد”.

الولايات المتحدة ترى أن إسرائيل “نموذج للحليف” القادر على الدفاع عن نفسه بدعم أمريكي محدود لكن حاسم، وأن دول الخليج أصبحت “أكثر رغبة وقدرة” على الدفاع عن نفسها بشراء الأنظمة العسكرية الأمريكية.  هذا التحول يخدم هدفاً مزدوجاً، وهو تخفيف العبء العسكري والمالي عن واشنطن، وبناء منظومة أمنية إقليمية أكثر استدامة (المصدر السابق).

إعادة تصميم الوجود العسكري: قواعد أصغر وأكثر تحصيناً

الحرب كشفت أن القواعد الأمريكية الثابتة والضخمة في الخليج تحولت من “عوامل طمأنة” إلى أهداف مباشرة، حيث قصفتها إيران وألحقت أضراراً في منشآت استخباراتية ومعدات حساسة. هذا دفع البنتاغون إلى التفكير في إعادة توزيع القوات بعيداً عن الخليج، نحو الأردن وإسرائيل وغيرها، حيث تكون خلف دفاعات جوية أفضل ولديها وقت إنذار أطول (After Iran, US signals major security shift in the Middle East | Responsible Statecraft).

الهدف ليس الانسحاب من المنطقة، بل تقليل حجم القواعد الثابتة، والاعتماد على قواعد أصغر، ومعدات متمركزة، وقوات بحرية، وانتشار دوري، وروابط استخباراتية، وخطط تعزيز سريع. هذا يقلل من قابلية القوات للاستهداف، ويحافظ على القدرة على الضرب عند الحاجة (The Future of US Basing in the Gulf After the 2026 Iran War • Stimson Center).

تعمل الولايات المتحدة على مشروع “احتواء إيران بعد الحرب”، بثلاثة عناصر رئيسية: الأول: تحالف إقليمي بقيادة أمريكية… الثاني: تثبيت الترتيبات الأمنية الجديدة، ويشمل ذلك اتفاقية أمنية بين إسرائيل وسوريا، وتنفيذ الاتفاق الإطاري بين إسرائيل ولبنان، وإنهاء تداعيات حرب غزة عبر “خطة السلام” الأمريكية لإغلاق الجبهات المفتوحة… أما الثالث فهو توسيع اتفاقيات إبراهام (Trump Drafts Post-War Middle East Plan)… وقد تجيب هذه العناصر الإستراتيجية الثلاثة على السؤال حول أسباب عدم حسم واشنطن صراعها مع إيران.

إن إدارة ترامب لا تريد “حسم” الصراع مع إيران عسكرياً؛ لكن “الحسم” ليس ضرورياً لتحقيق الهدف الأكبر، وهو: إعادة تشكيل النظام الإقليمي تحت القيادة الأمريكية، مع إسرائيل كـ”القوة المحورية”… وأن بقاء إيران كـ”التهديد المُدار”، لا منتصر ولا منهار، هو بالضبط الوضع الذي يبرر استمرار الحاجة إلى الوجود الأمريكي، ويمنح إسرائيل دوراً لا يمكن لأي دولة عربية أن تنافسه فيه.

هذا هو المنطق الذي يجعل “عدم الحسم” قراراً استراتيجياً، لا فشلاً.

التحديات التي تواجه هذه الاستراتيجية

يبدو أن الخطة لا تزال “قيد الطهي” ولم تنضج بعد، وهناك عقبات رئيسية، أهمها هو الانتخابات الإسرائيلية القادمة (27 أكتوبر 2026). والتحدي الآخر هو عدم يقين الحلفاء بهذه الخطة، والثالث هو مدى قدرة إيران على الاستمرار.

إذن ما نراه على وسائل الإعلام لا يعني انسحاباً للجيش الأمريكي، بل هو إعادة تموضع… ومحاولة لتحويل الحرب على إيران من مواجهة أمريكية مباشرة مفتوحة إلى نظام إقليمي دائم تديره واشنطن من الخلف، وتتحمل فيه إسرائيل والدول العربية الجزء الأكبر من العبء، بينما تحتفظ أمريكا بقدرة الضرب والردع والوجود الاستخباراتي.

وهنا الاستراتيجية الأمريكية لها هدفين رئيسيين، الاول هو تغيير الشرق الأوسط على أسس تمكين النفوذ والقوة الأمريكية في مواجهة الصين، في مسار تشكيل النظام الدولي الجديد؛ والثاني هو تغيير موازين القوة في الإقليم في مسار تمكين إسرائيل لتصبح القوة المحورية والرئيسية في المنطقة (Trump Drafts Post-War Middle East Plan).

وهذا يعني أن الحرب لم تعد تُدار كصراع بين دول، بل كإعادة هندسة لنظام أمني ودفاعي كامل.

والسؤال هو ما موقف العرب من كل هذا؟

والإجابة المتاحة، على هذا السؤال الجوهري، تشير إلى أن العرب لم يعودوا كتلة واحدة، بل يخضعون لإعادة تصنيف قاسية وفق دورهم في المشروعين المذكورين.

المشروعان في مواجهة الواقع العربي

المشروع الأول: تمكين النفوذ الأمريكي في مواجهة الصين، وهذا يتجلى بوضوح في الوثائق الرسمية الأمريكية، حيث استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 تضع الصين كـ”المنافس الاستراتيجي الأكثر أهمية” والمحيط الهندي-الهادئ كـ”المسرح ذي الأولوية”… الحرب على إيران، من هذا المنظور، يعد تشويشاً استراتيجياً ستديره الولايات المتحدة بأقل تكلفة، لأن استنزاف الذخائر والمعدات في الشرق الأوسط يضر بالاستعداد للمواجهة الحاسمة مع الصين.  إذن الهدف ليس احتلال إيران، بل إعادة توزيع الأعباء على الحلفاء الإقليميين، وتحرير القوات الأمريكية للتحول نحو آسيا.

المشروع الثاني: تمكين إسرائيل كقوة محورية… هنا تظهر الأدلة بشكل صارخ. 1- بعد الحرب، تحولت سوريا (حكومة أحمد الشرع) إلى أول دولة عربية تتفاوض مباشرة مع إسرائيل وتعلن أن هناك “ضرورة” لاتفاق أمني… 2- لبنان، فتح مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لأول مرة منذ 1983… 3- وبقي هناك الهدف الأكبر المعلن، وهو تطبيع المملكة العربية السعودية مع إسرائيل، وهو ما تعتبره مراكز البحث الإسرائيلية “الجائزة النهائية”، التي ستفكك التضامن العربي مع فلسطين نهائياً وتُكَرّس إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة.

إذن، العرب ليسوا “غائبين”، لكنهم لم يعودوا فاعلين ككتلة… المشروعان الأمريكيان يتقدمان، وكل دولة عربية تُصنَّف تلقائياً وفق موقعها منهما.

الخلاصة القاسية هنا، هو أنه لا يوجد “عرب” في هذه المعادلة، بل مصالح عربية متباعدة… والسؤال الحقيقي هو “أي نموذج عربي سيصمد في النظام القادم؟”.

أما السؤال الأهم، هو: هل الدول العظمى المنافسة (الصين، روسيا، الهند، البرازيل… وغيرها) ستترك الساحة للأمريكان لرسم خريطة مصالحها في المنطقة؟ أم نتوقع أنواع مختلفة من التدخل والممانعة من هذه الدول؟

الإجابة المختصرة والسريعة والموضوعية تقول: لا، لن تترك القوى الكبرى والمنافسة الساحة لأمريكا وحدها؛ لكن التدخل والممانعة لن يكونا على النمط القديم (تحالفات عسكرية أو مواجهات مباشرة)، بل عبر مسارات متوازية من الوساطة والضغط الاقتصادي وإعادة التموضع. الخلاصة، كل قوة تتحرك وفق مصالحها، والمنطقة تتحول إلى نظام هجين متعدد المسارات لا يسيطر عليه طرف واحد… فأي المسارات سيسلكه العرب؟


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *