بهدف جعل الغرب مركز العالم، كان يجب تغريب الثقافات الأخرى، وكان هذا الدور المُؤَسِس في نشأة وتشكيل الثقافة العربية ذات البعد الغربي، أو الشخصية العربية “المُغَرّبة” (ودلالة التغريب هنا ليست الاستفادة من الغرب في أدواته ومعارفه، بل الانصهار فيه على حساب الذات، أي في إرثه الاستعماري ومدى إحلاله محل الثقافة الأصلية).
في البلاد العربية، بدأ التغريب الثقافي مبكراً من خلال البعثات النوعية للدراسة في الغرب منذ بدايات عهد الاستعمار، وعبر المدارس الخاصة والأجنبية التي تم بذرها، في مختلف بلادنا العربية لتكون الأداة الرئيسية المنظمة في استهداف عموم الأمن الحضاري العربي؛ وأداة رئيسية لسياسة استعمارية منظمة هدفت إلى تشكيل النخب ونقل القيم بما يخدم مصالح الدول المستعمِرة.
كانت حملة نابليون على مصر (1798-1801) بمثابة الصدمة الأولى والافتتاحية الكبرى التي فتحت مصر والعالم العربي على التأثيرات الغربية الحديثة، وإن كانت الحملة نفسها فشلت عسكريًا، إلا أن إرثها الثقافي والعلمي كان عميقًا وبعيد المدى في بناء الشخصية العربية ذات التوجهات الغربية.
قبل الحملة، كانت مصر تعيش في عزلة نسبية تحت حكم المماليك، معتمدَة على مراكز تعليمية تقليدية كالأزهر. قدمت الحملة، بقيادة نابليون وصحبته من العلماء والمفكرين (حوالي 160 عالمًا)، نموذجًا مذهلاً للقوة العلمية والتكنولوجية الغربية، وأدرك المصريون حينها هذا الفارق الشاسع، معترفًا بقدرة الفرنسيين على تحقيق “عجائب في العلوم لا تستطيع عقول أمثالنا استيعابها” (عبد الرحمن الجبرتي)، هذه الصدمة الحضارية أيقظت الوعي بالتخلف وفتحت الباب أمام التساؤل عن أسباب تقدم الغرب.
لم تنجح حملة نابليون في احتلال مصر عسكريًا، لكنها أحدثت قطيعة معرفية مع الماضي والمجتمع. لقد قدمت للعرب نموذجًا غربيًا للقوة والتنظيم والعلم، وأعادت تعريف تراثهم الخاص، وأدخلت أدوات المعرفة الحديثة (كالمطبعة). هذا الفعل التأسيسي مهّد الطريق أمام مشروعات التحديث اللاحقة، خاصة في عهد محمد علي، وخلق نخبة مصرية جديدة انفتحت على الثقافة الغربية، وبدأت في إعادة بناء شخصيتها وهويتها في سياق غربي جديد.
الأهداف الاستعمارية من وراء التعليم
في فترات لاحقة، لم تكن سياسات التعليم التي فرضتها القوى الاستعمارية (خاصة البريطانية والفرنسية) في المنطقة محايدة، بل كانت تهدف إلى ترسيخ الهيمنة من خلال فرض لغتها وثقافتها، بهدف خلق نخب محلية تكون وفية للإدارة الاستعمارية وتتبنى قيمها. كما كانت تهدف إلى تكوين نخب وظيفية محدودة، حيث كان الهدف الأساسي هو تخريج عدد محدود من الموظفين الإداريين، من المستوى المتوسط، لتشغيل أجهزة الدولة، وليس تعليم الجماهير أو تمكينها… وقد تم ذلك عن قصد لكبح نمو المشاعر الوطنية.
ومن أهم الأهداف التي عملت القوى الاستعمارية على ترسيخها من خلال التعليم وبناء الشخصية العربية، المغرَّبة، الموالية لها، هو الحفاظ على الوضع الراهن، من خلال أنظمة تعزل التعليم الأهلي وتهمِّشه، وتقييد توسع المدارس، خاصة في المراحل العليا، لمنع ظهور قيادات وطنية قادرة على تحدي سياساتها.
على مدار تاريخها، جسدت المدارس الخاصة الأجنبية هذه السياسات على أرض الواقع، وكان تأثيرها عميقًا في عدة جوانب، أهمها وأخطرها ترسيخ التقسيم الطبقي والعرقي، كما كان في أبشع صوره في دول مثل الجزائر، حيث أنشأ الاستعمار نظامًا تعليميًا مزدوجًا، مثل مدارس فرنسية لأبناء المستوطنين والأقلية اليهودية، ومدارس أخرى، مثال “المدارس الفرنسية-العربية”، لأبناء السكان الأصليين، مع إبقاء نسبة التحاقهم ضئيلة جدًا، وهذا أدى إلى خلق فجوة طبقية عميقة.
لربما يعد نقل المناهج والقيم الغربية الأكثر خطراً وتأثيرا على بناء الشخصية العربية المنقطعة عن مجتمعاتها، إذ تم استنساخ المناهج الدراسية من النظامين البريطاني والفرنسي، والتي كانت غالبًا غير ذات صلة بالاحتياجات المحلية، ولكنها كانت تنقل رؤية العالم والقيم الأوروبية (مثال: المدارس التبشيرية الأمريكية، الفرنسية، الإيطالية) وعملت على تشكيل هويات الطلاب الوطنية والجندرية والمدنية وفقًا للصورة الغربية المسيحية.
كان من أهم نتائج هذه السياسات صناعة نخب منفصلة عن ثقافتها، تنظر إلى النخبة الاستعمارية كمثال يحتذى به، وتطغى على ثقافتها التقليد بدلاً من الأخذ بالإرث الثقافي المحلي… هذا الانفصال خلق جيلًا من القيادات الوطنية المستقبلية التي تحمل في تكوينها تناقضًا بين خطابها القومي وثقافتها الغربية.
بين الاستمرارية ومحاولات التحرر
عند الاستقلال، وجدت الدول العربية نفسها أمام إرث استعماري معقد، ما بين استمرارية تأثير النموذج الاستعماري لعقود، على الرغم من تأميم المدارس الأجنبية ومحاولات “تعريب” المناهج. إذ اعتمدت الأنظمة الوطنية الجديدة في المغرب وتونس والجزائر على المعلمين والمناهج الفرنسية بسبب نقص الكوادر العربية، مما أدى إلى إنتاج أكبر جيل ناطق بالفرنسية في تاريخ المنطقة… وبين صراع الهوية الذي تصاعد مع ما شكلته قضية “التعريب” (استبدال اللغة الفرنسية بالعربية) من تحدٍ كبير، حيث واجهت الدول صعوبات في توفير معلمين ومناهج بالعربية، مما أطال أمد الهيمنة الثقافية الغربية.
أما محاولات التغيير والانعكاس فقد بدأت مع التحولات من منتصف السبعينيات، حيث تم التوجه بقوة نحو التعريب واستبدال المعلمين الأجانب بمعلمين عرب، مع إدخال المزيد من الثقافة الإسلامية في المناهج، كجزء من محاولة لترسيخ الهوية الوطنية والدينية.
خلال ما يزيد على قرن من الزمن، لم يكن دور الاستعمار مجرد عامل مساعد، بل كان المؤسس الفعلي لملامح الشخصية العربية المعاصرة المغرّبة بكل تعقيداتها، من خلال سياسة متعمدة، وخلق أنظمة تعليمية نخبوية ومرتبطة بالغرب، مما زرع بذور الهيمنة الثقافية التي استمرت وتفاعلت مع عوامل أخرى بعد الاستقلال.
الشخصية المغربة
بالمعنى المحايد لمصطلح “المُغَرّبة” مقابل “المُعَرّبة” و”المستعربة”، تشير “الشخصية المغربة” إلى أي منتج ثقافي أو فكري أو تعليمي عربي تأثر بالغرب في الشكل والمنهج والمحتوى، مثال، استخدام المناهج البحثية الغربية في الجامعات العربية، تَبَنِّي النظريات الفلسفية والاجتماعية الغربية في تحليل الواقع العربي، ظهور مدارس فنية وأدبية عربية (كالقصة والرواية والمسرح) تأسست على نماذج غربية، وانتشار التعليم باللغات الأجنبية والمدارس ذات المناهج الغربية… في هذا السياق، يعبّر المصطلح عن حالة من الانفتاح والترجمة والاستفادة من التجربة الغربية، خاصة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والإدارة.
أما الدلالة النقدية والسياسية التي نخص بها هذا المقال فهو المعني بالاستخدام الأكثر حضوراً لمصطلح “التغريب” في الخطاب النقدي العربي، والذي يشير إلى فقدان التوازن والهوية، استمرار للاستعمار، الاغتراب الثقافي الذي يُنشئ الفرد “المُغَرَّب” داخل مجتمعه، ليعيش بقيمه ومفاهيمه كغريب، يفكر بلغة الآخر ويستهلك ثقافة الآخر، دون أن يكون قادراً على الإنتاج أو الإبداع من داخل ذاته الثقافية.
تأطير اللغة: من أداة للتراث إلى أداة للهيمنة
لم يقتصر دور الاستعمار والمستشرقين على التأثير السطحي في مجتمعاتنا العربية، بل كان تأثيراً مؤسسًا وعميقًا في تشكيل العلاقة باللغة العربية وتكوين النخب السياسية، وقد تجلى ذلك عبر آلية التأطير المعرفي، الهندسة المؤسسية الممنهجة.
عمل المستشرقون على تعريف مكانة اللغة العربية وهويتها، والترويج لما يُدعى بـ”أزمة” اللغة الفصحى والبدء بتهميش اللغة الفصحى بحجة صعوبتها و”عجزها عن مواكبة العصر”، ورغبةً في إضعاف التراث الفكري والديني المرتبط بها، مع الترويج للهجات العامية كبديل. والأكثر تأثيرًا هو أن النخب الوطنية، في سعيها لتشكيل هوية وطنية حديثة، تبنت عن غير وعي الرواية الاستشراقية ذاتها عن “الانحطاط” و”الجمود” التي ألصقت بالعصر العثماني. هذا جعلها تنظر إلى ماضيها نظرة نقدية، وترى في الحداثة الغربية (واللغة المرتبطة بها) السبيل الوحيد للنهضة
هندسة النخب السياسية: التعليم كأداة للسيطرة
جاء الدور الاستعماري ليكمل هذه الرؤية عبر تحويلها إلى سياسات تعليمية ملموسة من خلال خلق نخب وظيفية موالية، وترسيخ الانقسامات العرقية والطبقية، وإنتاج نخب منفصلة عن محيطها.
وإذا كان المستشرقون قد وفّروا الإطار الفكري لتأطير اللغة والتراث العربي كحقل يحتاج إلى “إصلاح” غربي، فإن الاستعمار هو من ترجم هذا الإطار إلى سياسات تعليمية ومؤسسية أنتجت نخبًا سياسية وإدارية نشأت في كنف الثقافة الغربية وارتبطت بها، مما جعل تأثير هذه الثقافة عميقًا ومستمرًا حتى بعد زوال الاستعمار.
ومع خروج آخر المستعمرين من المنطقة العربية، بدأ في سبعينيات القرن العشرين نمط جديد من المدارس الخاصة (المُغَرّبة) بالظهور، مع خلق دوافع لها مثل إشاعة أفكار حول “ضرورة اكتساب مهارات عالمية من خلال تبادل الثقافات والمعرفة”، مقابل ما تعانيه منظومات التعليم الوطنية في كثير من البلدان العربية من حالة الإفلاس العلمي، واعتمادها على مناهج تقليدية تقوم على التلقين والحفظ، وعدم مواكبة متطلبات العصر… فكانت هذه المدارس الخاصة، بمناهجها ولغاتها الغربية، البديل الذي تبحث عنه العائلات.
أصبحت المدارس الخاصة الجديدة تطرح نفسها من خلال جاذبية النموذج التعليمي الغربي القائم على التفكير النقدي والنقاش والبحث واستخدام المراجع، كمهارات يراها أولياء الأمور ضرورية لنجاح أبنائهم المهني في المستقبل؛ ومن خلال متطلبات سوق العمل واعتبارها اللغة الإنجليزية، التي تُدرس كلغة أساسية في هذه المدارس، انجازاً حقيقياً للتواصل مع عالم الاقتصاد الجديد، مما يمنح الخريجين ميزة تنافسية واضحة.
وهكذا صار مصطلح “سوق العمل” ومتطلباته جاذباً لعلوم إدارية محددة، وطارداً للعلوم الإنسانية الأخرى، التي، بموجب المدارس الجديدة، لم تعد من متطلبات المستقبل، لتبدأ ظاهرة معقدة جديدة تهتم بالخواء الفكري الفلسفي والاجتماعي والثقافي، لصالح عالم المال والأعمال… وفي الوقت نفسه تطرح تحديات جدية تتعلق بالهوية والانتماء الثقافي من خلال غرس قيم ومفاهيم وتوجهات فكرية.
كيف تُشكّل المدارس الأجنبية الشخصية؟
إن التأثير الثقافي للمدارس الخاصة في تشكيل الشخصية لا يقتصر على تعليم اللغة، بل يتعداه إلى عدة جوانب، أهمها: 1- استهداف اللغة كوعاء للفكر بالاعتماد على تغليب اللغة الأجنبية في التعليم و”سوق العمل” على اللغة العربية، مما يعمل على إحداث نوع من الانفصال عن الوعاء الفكري الذي يحمل التراث والفكر العربي.. 2-وعندما تحمل المناهج الغربية في طياتها “أساسيات وقيم الثقافة الغربية”، وتُروّج “لمنتجات فكرية غربية” من خلال الأحداث التاريخية والمفاهيم الحديثة، يمكن أن يُفصل المتلقي عن قيمه الأخلاقية والاجتماعية الأصيلة ليعيش بقيم وأخلاقيات الآخر… 3- وبالتالي يشكل ذلك السلوك والهوية المُغرّبة المنبهرة بالنموذج الغربي على حساب الذات.
بالمحصلة، تؤثر المدارس الأجنبية، أو الخاصة، في الشخصية العربية من خلال تزويدها بمهارات ولغة تمنحها ميزة تنافسية، ولكنها في الوقت نفسه تنقل معها منظومة قيمية وتاريخية قد تضعف ارتباط الفرد بتراثه. هذا التأثير ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتيجة تفاعل بين جاذبية النموذج الغربي، وضعف البديل الوطني، ودور الأسرة والمجتمع في تشكيل الهوية النهائية.
المراجع:
- 1- هزيمة نابليون في مصر أدت إلى ولادة علم المصريات | ناشيونال جيوغرافيك
- 2- منحة INS 1998: معهد نابليون مصر
- 3- Education – Colonialism, Impact, Legacy | Britannica
- 4- “متحدون في الانسجام الأخوي للعمل”: المبشرون، التعليم الصناعي وتشكيل نخبة كوزموبوليتانية من العمال الذكور في مصر (1890–1940) – أرشيف هال
- 5- اللغة العربيَّة في المنجز النقدي الاستشراقي قراءة في المفاهيم والأطر المرجعيةThe Arabic Language in Orientalist Criticism A Study of Concepts and Referential Frameworks | ASJP
- 6- التمييز العنصري في العربية: سياسات التعليم الاستعماري والقضية اللغوية في موريتانيا المعاصرة – مشروع العلوم السياسية في الشرق الأوسط
