ما هي معايير القائد الجيد، والقائد الذي يعلو لديه “الأنا” على الصالح العام!!!

إنه موضوع يتعلق بالقيادة، ومحاولة لفهم كيف يمكن للقيادة الفعالة أن تؤثر على المشاكل المعقدة، أو على سياقات مختلفة؛ وفي إطار الضرورة العملية والأخلاقية، وسياق الملاحظات على النمط القيادي العربي، وعلاقته باستمرارية الفشل التنموي، والتراجع المعرفي والسياسي والاقتصادي هي محاولة لفهم معايير القائد ومعضلة “الأنا” التي تطغى على الصالح العام… بالمحصلة هو موضوع يتعلق بمبادئ القيادة المعترف بها في الأدبيات الإدارية، وبأخلاقيات وقدرات قيادية يملكها البعض ذاتياً، ولا يحصل عليها آخرون حتى بأرفع درجات التعلّم.

لفهم الاختلاف والمختلف نبدأ بالقائد الجيد، وهو قائد “الرسالة”، الذي يتميز بمعايير مترابطة ومتشكلة في نظام متكامل، قد لا يمتلك بعض منها، ولكن قد يدمجها في رؤيته وسلوكه، أهمها: 1- الرؤية الاستراتيجية التي تحدد معدل الوضوح في الهدف وربطه بالمصلحة العامة، مع القدرة على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وتقديم رواية ملهمة وحقيقية تجمع الناس (ولا تفرقهم)… 2- النزاهة، والمحاسبة الذاتية، وهما أخلاقيات أساسية ينشأ معهما التواضع واعتبار المنصب “أمانة”، وما يتبع ذلك من صفات العدالة وعدم المحاباة والنفاق…3- الكفاءة والحكمة، وعناصرها العلم والمعرفة، والقيم المرافقة لها، مثال حسن إختيار فريق العمل، والإهتمام بالمشورة والمرونة وتصحيح المسار… و4_ التواصل والتمكين والشجاعة والقدرة على تحمُّل المسؤولية، ومن أهم عناصر هذا المعيار هو القدرة على الاستماع، والقدرة على بناء المؤسسات (وليس تعزيز الأشخاص)، إضافة إلى تحمُّل المسؤولية عند الفشل وحماية فريق العمل.

أما القائد السيئ فهو قائد “الأنا”، وأبرز علاماته الخلط بين ذاته وبين المؤسسة أو الدولة؛ وصعود مصالحه الشخصية (السلطة، المجد، الثروة، الإرث) كمحرك أساسي في أدائه، بجهل أو بعلم وإصرار.

وعلامات قائد “الأنا” هي الخطاب الإنفعالي والتفرد، الذي يختار من خلاله بأن يبدو الخيار الأفضل والأوحد، فيبني نظاماً لا يعرف الاستمرارية من بعده. ومنها أيضاً الاهتمام الدائم بتزكية الذات، والذي غالباً ما ينعكس على الإعلام الذي يصبح بوقاً دعائياً لعملية التزكية وإبراز قائد “الأنا”، وأداة لقتل الإبداع ونشر ثقافة التملق.

أما الأمثلة على هذا النوع من القادة فهي عديدة، حيث ظهر العديد منها عبر التاريخ القريب والبعيد، ومازالت المجتمعات تصنع أنواع حديثة من قادة “الأنا” الذين يتميزون بالحساسية المفرطة للنقد، ويحولون مؤسساتهم، أو الدولة، إلى مزرعة شخصية، ويصنعون من شعوبهم أعداء، ويختزلون مستقبل أوطانهم في حياة فرد.

الجذور التربوية لسلوك قيادات “الأنا”

هناك الكثير من الإرتباط بين التربية والشخصية النرجسية المتضخمة بـ”الأنا”، وفشل القيادة والإدارة والتنمية عموماً وبين فشل التربية في تعليم القيم الجماعية وقيم الصالح العام.

إن شخصية قائد “الأنا” هي نتاج تفاعل سام بين عوامل نفسية مبكرة، وبيئة أسرية، وسياقات سياسية واجتماعية واقتصادية مُشجعة، وهذه العوامل تعمل كـبيئة محمية لتنمية النرجسية، وتحويلها إلى سلوك قيادي مدمر.

ولا يعد التعليم عاملاً محايداً في تشكيل شخصية القائد؛ بل هو التربة الخصبة أو المقفرة التي تُزرع فيها بذور القيادة. ويمكن للتعليم إما أن يصنع قائداً مؤسسياً، أو أن يعزز ويضخم “الأنا” لدرجة صناعة قائد متعجرف.

إن تأثير التعليم على بناء الشخصية عميق من خلال مسارات عادة ما تكون واضحة للمحلل، أو الباحث، الذي يربط بين سلوكيات محددة لشخصيات قيادية وبين المناهج التعليمية السائدة في مختلف قطاعات التعليم… فهناك أنظمة التعليم التي تصنع “الفرد البطل” من خلال التنافس الشديد على الترتيب والعلامات وتحويل اليوم الدراسي إلى معركة بين الزملاء، مما يعزز عقلية النجاح على حساب الآخرين وليس بالتعاون بينهم؛ وهناك ظاهرة تمجيد “العبقري” الفرد الذي يمثل دور البطولة الفردية كمصدر وحيد للإنجاز العظيم، وليس كمصدر للعمل المؤسسي وفريق العمل… وهناك العديد من القيم السلبية التي تنمو عليها الأجيال، عبر التعليم، اعتقاداً بأنها قيماً إيجابية لعدم قدرة القيادات التعليمية استدراك الأمر، مما يجعل العلاقة بين التعليم وبروز قيادات “الأنا” في دائرة مفرغة تبدأ من التعليم وتنتهي به.

يضاف إلى هذا وذاك تجاهل مناهج التعليم لتدريس تاريخ الأفكار ودور المؤسسات في بناء النجاح كسلسلة أحداث يقودها العظماء من الملوك والقادة العسكريين، لترتكز المعرفة على قاعدة أن التغيير يأتي فقط من “الرجل العظيم” الفرد، وليس من حركات اجتماعية أو تطور مؤسسي.

التربية في غياب التعليم العاطفي والأخلاقي

ويعد غياب التعليم العاطفي والأخلاقي الأكثر خطورة؛ حينها تفشل المدرسة في تعليم مهارات أساسية لضبط “الأنا”، لأن مناهجها لا تعلّم التفكير النقدي والمرونة المعرفية، فلا يتعلم الطالب التواضع الفكري الذي يبدأ بالشك في أفكاره أولاً، أو أن يتقبل النقد البنّاء؛ فتنتج المدارس شخصيات متعصبة تعتبر النقد هجوماً شخصياً، مما يضطر القائد بأن يحيط نفسه بمن يؤكدون له دائماً بأنه “على صواب”.

إن غياب التعاطف وخدمة المجتمع في التربية يعد الأكثر بؤساً في مناهج التعليم الحديثة، فتكون النتيجة الحتمية ظهور قيادات منعزلة عن هموم الناس، وغير قادرة على فهم تأثير القرارات على الحياة اليومية للمواطن العادي، وتبقى دوائر الاهتمام ضيقة في محيط الأسرة والذات، بدون حس بالمسؤولية تجاه الآخر.

تربية النخب في معزل عن الواقع

وعندما يكون التعليم حكراً على نخبة معزولة في المدارس الخاصة الباهظة التكاليف أو في كليات عسكرية أو حزبية مغلقة، تخلق المدرسة طبقة منفصلة عن الواقع والمجتمع، وتعيش في فقاعة اجتماعية واقتصادية مع أبناء نفس الطبقة بعيداً عن تنوع وتحديات المجتمع الواقعية، فينشأ منهم القائد الذي يصعب عليه فهم احتياجات الناس ويكون أداءه وسلوكه نابعاً من منظور اقتصادي واجتماعي ضيق.

فما هو الحل؟

إن تأثير التعليم على بناء الشخص القيادي ليس حتمياً، لكنه قوي؛ والتعليم الذي ينتج قائد “الأنا” هو نظام يكافئ التفرد على التعاون، والامتثال على النقد، والاستحقاق على الجدارة، والعزلة على المشاركة.

القائد الجيد ليس معجزة تظهر من العدم؛ بل هو نتاج بيئة تعليمية واجتماعية تزرع فيه بذور التواضع والفضول والمسؤولية تجاه الآخرين، وبدون إصلاح جذري للتربة التعليمية، ستستمر مجتمعاتنا في حصاد قادة ترتفع لديهم “الأنا”، ويغيب لديهم الصالح العام.

فأحد أهم عناصر بناء مستقبل ناجح هو بناء نظام تعليمي يعتمد على المشاريع الجماعية، وليس الامتحانات والتنافسية الفردية؛ وبناء نظام تعليم خدمي يفرض على الطالب المشاركة في برنامج حقيقي للخدمة المجتمعية؛ إضافة، وهو الأهم، العودة إلى تدريس الفلسفة والأخلاق والتفكير النقدي كمواد أساسية وليس ترفاً فكرياً.

إن المعيار الأهم الذي يفصل بين القائد الجيد وقائد “الأنا” هو خدمة المؤسسة والهدف العام، وليس خدمة الذات والمجد الفردي.

وإن الدول التي ازدهرت عبر التاريخ بناها قادة عظماء، آثروا الصالح العام على حساب أنفسهم؛ والقائد العظيم يتم النظر إلى إرثه المؤسسي لا الشعارات، وإلى كفاءته في توزيع السلطة تحت قيادته لا تمركزها، وإلى مدى اندماجه مع حال الناس لا مع فقاعة النخب.


2 تعليقات

  1. من خلال إطلالتها الأسبوعية، قدمت لنا المفكّرة العربية سميرة رجب مقالها بعنوان: “عندما يطغى الأنا على الصالح العام” . وأول انطباع يمنحه العنوان هو تلك الثنائية المحورية: قائد الرسالة مقابل قائد الأنا. وهي ثنائية ليست تبسيطية، بل مستندة إلى أدبيات القيادة الحديثة، حيث يتم تعريف كل نمط عبر سلوكيات ومعايير قابلة للرصد والتحليل، لا عبر أحكام أخلاقية عامة.
    وكعادتها، لم تكتفِ سميرة رجب بالوصف، بل ربطت السلوك القيادي ببنية مؤسسية وتعليمية وثقافية، في تدرج يناسب المقال الفكري لا المقال الصحفي الخاطف.
    وعلى الرغم من أن المقال يحمل وبكل وضوح بعداً أخلاقياً، إلا أنه لا يسقط في الوعظ والنصح، ولا يستخدم لغة إدانة مباشرة، بل يقدّم – في رأيي – الأخلاق بوصفها شرطاً مؤسسياً للنجاح، لا مجرد فضيلة شخصية، وهذه نقطة تحسب للمفكرة العربية سميرة رجب، لا سيما وأن كثيراً من الكتابات العربية التي نطالعها تجنح إما إلى التبرير السلطوي أو الخطاب الأخلاقي الإنشائي المفعم بالشعارات.
    والمقال لا يهاجم أشخاصاً، بل ينحو إلى تفكيك نمطٍ قيادي مزمن، ويربط بين تضخم “الأنا” واستدامة الفشل التنموي، والتراجع المؤسسي، وهشاشة الدولة. وهو بذلك يُخرج أزمة القيادة من إطار “الفساد” فقط، ويضعها في إطار أعمق تتمثَّل في بنية الشخصية القيادية وعلاقتها بالتنشئة.
    ولعلّ أخطر ما يطرحه المقال من وجهة نظري هو نقد سردية “المنقذ الفرد”، وبيان أثرها في تدمير العمل المؤسسي، وتعطيل التداول السلمي، وتحويل الدولة إلى امتداد لشخص. وهذا الطرح يكتسب أهمية خاصة في السياق العربي الراهن، حيث تُدار كثير من الدول والمشاريع بعقلية: “ما لا أكون فيه لا يستمر بعدي”.

    وللمقال أهميته على أكثر من مستوى. فعلى المستوى التعليمي – الحضاري، يمكن القول بأن المقال يُعد من النصوص الفكرية القليلة التي لا تُحمّل السياسة وحدها مسؤولية فشل القيادة، بل تُعيد المسؤولية إلى النظام التعليمي بوصفه المصنع الأول للنخب، وتحديداً: ثقافة التنافس الفردي، وتمجيد العبقري المنعزل، وإقصاء العمل الجماعي، وغياب التعليم الأخلاقي والعاطفي. وهذا التحليل يضع المقال في قلب نقاش إصلاح التعليم بوصفه إصلاحاً حضارياً لا تقنياً.
    فالمفكرة العربية سميرة رجب تطرح فكرة متقدمة نسبياً في الخطاب العربي؛ فهي ترى أن غياب الذكاء العاطفي والتعاطف ليس مسألة تربوية هامشية، بل هو عامل مباشر في إنتاج قيادات معادية للنقد، منغلقة، هشة أمام الاختلاف.

    وكأني بها تدعو الباحثين في سياسات التعليم، وبناء القيادات، والدراسات الحضارية لإيلاء هذه المسألة أهمية خاصة.

    أما على صعيد الأهمية المجتمعية والثقافية، أجد المقال يوجّه نقداً صريحاً للنخب المعزولة (وهي الفئات التي تمتلك سلطة القرار أو التأثير، لكنها تعيش وتفكّر وتخطّط منفصلة عن الواقع الاجتماعي الفعلي ولا تختبر نتائج قراراتها على حياتها اليومية)، وللتعليم الطبقي (وهو النظام التعليمي الذي لا يدمج أبناء المجتمع بل يعيد فرزهم طبقياً منذ سن مبكرة ويمنح كل فئة “عالماً” تعليمياً مختلفاً. وليس المقصود هنا مجرد وجود مدارس خاصة، بل أن يصبح التعليم أداة لإعادة إنتاج الامتياز لا لكسر الفوارق)، وللفقاعات الاجتماعية (وهي تلك الفئات التي تمتلك فضاءاً مغلقاً من العلاقات والأفكار يعيش فيه الفرد أو النخبة دون احتكاكٍ حقيقي بآراء وتجارب مختلفة). والمقال هنا – وهو المهم – لا يلقي اللوم على “الشارع”، بل على النخب التي تدّعي تمثيله دون أن تفهمه.

    ومما لفت نظر في المقال، إعادة تعريف معيار “القائد العظيم”. فالمعيار الذي ينتهي إليه المقال مهم جداً، فهو ليس الخطاب، ولا الكاريزما، ولا الشعارات، بل هو الإرث المؤسسي، وتوزيع السلطة، والقرب من الناس، والقدرة على الرحيل دون انهيار الدولة. وهذا تعريف نادر في الكتابة العربية المعاصرة.

    ولا أستطيع أن أختتم دون التنويه إلى أهمية الأسئلة التي يفرضها المقال:
    • من يصنع قادتنا؟
    • ولماذا نكرر النمط ذاته؟
    • وهل نجرؤ على إصلاح التربة لا الاكتفاء بلعن الثمار؟

    الدكتور جلال عبدالله حاتم

اترك رداً على الدكتور جلال عبدالله حاتم إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *