هنا في الخليج العربي، شارفنا على نهاية الإسبوع الرابع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتي تم إقحام بلداننا فيها دون أي وجه حق.
وما يعنيني في هذا المقال، ليس الحرب بحد ذاته، وإنما التعريف ببعض جوانبها الحياتية في مجتمعي البحرين، والذي يلفتني كمواطنة بإنه رغم كل ظروف النيران التي تستهدفنا إلا أن نمط حياتنا لايزال طبيعياً، لم يتغير بشكل جذري، وإن سكان المنطقة تكيفوا مع واقع جديد يتضمن وعياً متزايداً بالمخاطر، مع استمرار الحياة اليومية بما فيها التعليم والنشاط الاقتصادي والخدمي، حيث الناس يتسوقون ويحضرون مواعيدهم الطبية، بل ويمارسون نزهاتهم الموسمية في اجازات نهايات الاسبوع، وبقيت مراكز التسوق نشطة والمطاعم ممتلئة، مما يعكس مستوىً عالياً من الصمود والشعور بالأمان.
في المقابل، طرأت تغييرات على بعض التفاصيل اليومية. على سبيل المثال، في بعض مدن الخليج ألغيت مدافع رمضان لتجنب الالتباس مع أصوات الانفجارات، وفي بعضها خففت من صوت التنبيهات الليلية على الهواتف المحمولة لمساعدة السكان على النوم بشكل أفضل. ويشير البعض إلى أن حركة المرور انخفضت نسبياً لاسباب تحويل ممارسة بعض الأعمال والتعليم ليصبح عن بعد، فيما لا تزال الحياة تسير بشكل طبيعي (وكالة رويترز12 و17 مارس 2026)…
بالإجمال اتسمت حياة الحرب بعدم وجود أي من مظاهر الحرب في البلاد، فلم نجد الشوارع تكتسحها السيارات والآليات العسكرية، ولم يتغير البث الإعلامي في شقيه الترفيهي والثقافي، ولم يتكدس الناس في طوابير للحصول على حاجاتهم، ولم تظهر حالة اكتئاب الحرب في المجتمع.
وفي هذا السياق يحمل النموذج البحريني أهمية خاصة، بصفتها الدولة الأصغر مساحة بين دول مجلس التعاون الخليجي الست، مما يكشف عن طبيعة التحديات الفريدة التي تواجهها لكونها من الدول صغيرة المساحة في مواجهة حرب تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيرة، وما تحملها من قوة نارية وتدميرية متوحشة لم تتعامل المنطقة معها، أو مع مثيلاتها، سابقاً منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتوقف غارات هتلر البدائية على منطقتنا.
أهم هذه التحديات التي تواجهها البحرين في الحرب الدائرة هو أنها جزيرة تتميز بموقع استراتيجي خاص، جغرافياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً، في الخليج العربي، وتفتقر إلى العمق الاستراتيجي Strategic Depth في المساحة؛ بمعنى أن جزيرتنا الجميلة تفتقد المسافة الآمنة بين مواقع اعتراض الصواريخ والمسيرات والمناطق السكنية، فأي اختراق ولو محدود قد يؤدي إلى أضرار مباشرة في العاصمة أو في المنشآت الحيوية.
لذلك أجد نفسي هنا أسرد سرديتنا البحرينية التي عشناها مع تجربة الحرب، لأعبر عن فخري وامتناني ومحبتي لكل فرد في قواتنا العسكرية والأمنية والإعلامية والحكومة الإلكترونية، وكل أجهزة الدولة التي لم تتوقف عن العمل للحفاظ على الأرواح، ولتفادي مظاهر ومنغصات الحروب، واستمرار الأمن والأمان والراحة… وعلى رأسهم قائدنا الحبيب، جلالة الملك حمد بن عيسى آلخليفة، الذي عمل مبكراً على بناء هذه القوة البشرية بالعلم والمعرفة، وبثقافة الإلتزام والجودة والإتقان، وبمبادئ الوطنية والتفاني والإخلاص، وقيم التسامح والتعايش… شكر من القلب والعقل، إلى كل من كان، ولا يزال، له دور في الحفاظ على نمط حياتنا المعيشية، بعيدين عن أي خوف من أجواء الحرب التي لم نراها، بل نسمعها مع أصوات اعتراض الصواريخ والمسيرات، لم نراها بل اطلعنا عليها في البيانات الدورية واليومية للإعلام العسكري والأمني الذي اهتم أن تصدر في وسائل الاعلام السمعية والبصرية والمكتوبة، وأن تكون بنبرات معتدلة فيه المحبة والثقة، للحفاظ على الأمان الذي لازمنا طوال الفترة، فكنا نأوي إلى النوم دون قلق أو خوف، بينما كانت نيران الصواريخ والقنابل الحاقدة تفسد جمال وأضواء بدر رمضان وهلال العيد في سماءنا الزرقاء الحالمة…
إن كلمة الامتنان والشكر هنا قليلة جداً على كل الجهود الكبيرة التي سهر عليها العاملون على الدفاع عن الوطن بشراً وحجراً، والدفاع عن أرواحنا وأرضنا ونقاء سماءنا، حيث المعدلات العالية من اعتراض الصواريخ والمسيرات، وحيث الإجادة الهادئة في الإسعاف الفوري، والإخلاء في مناطق الخطر، وحيث الاتقان في عمليات الإطفاء بأعلى التقنيات التي لم تسمح للدخان أن يتلبد في غيومنا، ولا أن يلوث هوائنا بالأحقاد السوداء، كي لا نتنفس الغضب والحقد، ولا نفقد تسامحنا وسكينتنا.
ما اسرده هنا هو بعض من انطباعاتي كمواطنة عاشت طوال فترة هذه الحرب الشعواء التي لا تقل درجة عن الحروب الأخرى، والتي أعلنت ضد بلادنا من طرف واحد، مع التزامنا بعدم الانجراف فيها، والدعوة إلى العودة إلى لغة العقل ومراعاة حقوق الجوار الجغرافي، ومبادئ الإسلام.
لربما أهم ما عايشناه طوال هذه الفترة، هو التنظيم المحكم في الحفاظ على عدم ترويع المواطنين والمقيمين باي من مظاهر الحروب، بدءً بالتنظيم المحكم والمتزامن في تنبيه المواطنين والمقيمين بصفارات إنذار الخطر، وصفارات زوال الخطر، عن طريق جميع القنوات الرسمية وجميع الهواتف النقالة، حتى أن الهواتف التي لا تحمل شريحة يصلها الإنذار في نفس الوقت.
لقد أجاد الإعلام الأمني في كل تفاصيله بالحفاظ على الهدوء والاتزان الاعلامي الذي انعكس على المجتمع بشكل عام، وأجاد استخدام استراتيجية التكرار الإعلامي في بث رسائل التوعية اللازمة لكل فرد في كل رسالة تنبيه عن الخطر وزوال الخطر، حول كيفية التعامل مع الحالات الطارئة والتفسير الواضح والسهل بالخطوات التي يجب اتباعها عند حدوث الخطر بجميع أنواعه.
نجح اعلامنا عموماً في اتباع خطة مسؤولة وشفافة مبنية على إعلام المواطنين والمقيمين بمستجدات الأحداث بشكل موضوعي وشفاف، ممّا قطع الطريق أمام أصحاب النفوس المريضة من التأويل الخاطئ لحقيقة الأحداث وإثارة الرعب في نفوس الناس.
ولأول مرة تمارس الأجهزة القانونية والأمنية سياسة الضرب بيد من حديد ضد جميع المنتهكين لنص القانون ممّن يصورون المواقع الحساسة ومواقع الأحداث، ومحاكمة كل من تجرأت نفسه على خيانة الوطن من خلال تعامله مع العدو.
على الصعيد الميداني لا نملك كلمة توفي حق رجال الأمن والدفاع الوطني والحرس الوطني وقوة دفاع البحرين على ما يقومون به من عمل جبّار على مدار الساعة والأيام الطويلة… وقد لا نعرف كيف نصف هذا الدور الذي يدور بعيداً عن مشاهداتنا، ونشعر به في ما يتم تأمينه لنا من أمن وحماية لنعيش أيامنا ونمارس أعمالنا بشكل طبيعي، ولكن يمكن أن نتخيله وتفاصيله في المعدلات العالية لنجاح الصواريخ المعترضة التي أبدع رجالنا في تصويبها… وبينما كنا نخلد للنوم دون قلق كان رجالنا البواسل يراقبون كل شبر من أرضنا الحبيبة وأطراف السماء لحمايتنا وممتلكاتنا والذود على الوطن.
حقاً يعجز قلمي عن وصف التضحية والمهنية التي لازال يعمل بها هؤلاء الرجال لإبعاد البلاء عنا، وتسخير قدراتهم، مستيقظين يترصدون، ويصدون الخطر الذي يستهدفنا.
قوات الجيش والأمن البواسل، الجنود المجهولون، الفئة التي تعمل بصمت؛ أثبتوا قدرات فائقة لم تكن يوماً مُجَرّبَة أمامنا، كسبوا ثقتنا وحبنا، أضعافاً مضاعفة، فكانوا رجالاً أكبر من مساحة بلادنا الجغرافية، رجالاً نعتمد عليهم في الحرب والسلم.
هذا العمل الرائع ما كان ليتحقق لولا الاستراتيجية والتنسيق والمتابعة التي وضعتها الدولة بقيادة جلالة ملك البلاد، مؤسس وراعي هذا الجيش وجميع مؤسسات الدولة الأمنية والوطنية، وصاحب العملية الاصلاحية التي نفخر بها.
لقد أثبتت هذه الحرب إن رغم محدودية مساحة مملكتنا الجميلة، إلا أنها تبقى كبيرة، بلا حدود، بقواتها وبقدراتها، كبيرة بثقافة شعبها الهادئة والمتوازنة بالانضباط والإلتزام، والإلتفاف حول قائد البلاد للوصول إلى بر الأمان… أثبتت البحرين قيادة وشعباً إن الاتساق الهرموني في أداء القيادة والشعب كان وسيبقى من أهم عوامل توفر الأمن في فترات الحروب والأزمات… لقد اثبتنا ذلك ونجحنا.
إن النموذج البحريني في هذه الحرب يقدم درساً مهماً حول كيفية أداء الدول الصغيرة في بيئة حرب صاروخية؛ وإن ما حققته البحرين، رغم صغر مساحتها وعمقها الاستراتيجي المحدود، من اعتراض مئات الصواريخ والمسيرات، خلال 22 يوماً، بنسبة نجاح إجمالية تصل إلى 76%، يعكس كفاءة عالية لأنظمة الدفاع الجوي الوطنية وقدرة الطواقم على العمل تحت ضغط مستمر.
الشكر من القلب لجميع جنودنا المجهولين… شكراً جلالة الملك، من القلب نرفعه إلى مقامك الحبيب… إننا اخترنا دربك في استمرار الحياة والبناء.

حفظكم الله من كل شر … سلمتم وسلمت المملكة
اصبت واحسنت استاذتنا الفاضلة القديرة.
كفيتي ووفيتي يا بنت الاجواد ، وهذا الموقف ليس بغريب على من بذلت نفسها في الدفاع عن هذا الوطن وما تعرض له من دسائس ومؤامرات ،فليحفظ الله البحرين وقائدها الهمام جلالة الملك المعظم وشعبها الوفي من شر الحاقدين الحاسدين ومن عدوان المجوس الظالمين المعتدين.
مقال المفكرة العربية الملتزمة سميرة رجب الموسوم بـ “الخليج العربي في عاصفة الحرب اختارت استمرارية الحياة والبناء” المنشور اليوم الأربعاء 25 مارس 2026 في الصحيفة البحرينية الغراء (أخبار الخليج)، ذو طابعٍ إنساني واضح، مشفوعاً بوعي سياسي لا محدود.
وفور الفراغ من قراءة المقال مرتين ليس لأنه معقد أو صعب، بل لأنه جمع بين البعد الإنساني والسياسي جمعاً متوازناً متقناً قلّما نجده عند آخرين.
سأكتب ملاحظاتي على النحو التالي:
أولاً: نعم. المقال ذو طابع إنساني واضح لكن بوعي سياسي ضمني. فالمقال ليس تحليلاً سياسياً للحرب، بل هو أقرب إلى ما يمكن أن نسميه بـ “سردية الحياة تحت الخطر”. فهي تصرّح بذلك بوضوح عندما تقول إن ما يعنيها ليس الحرب بحد ذاتها، بل جوانبها الحياتية، وهنا تسنى لي أن أشير إلى ثلاث لمسات إنسانية عميقة:
1) إنسان يواصل الحياة لا يعلّقها: فالناس يتسوّقون، ويذهبون للمواعيد، ويمارسون نزهاتهم.. لاحظوا هذه ليست مجرد تفاصيل تُروى، بل رسالة تطلقها من القلب: المجتمع يرفض أن تتحول الحرب إلى نمط حياة نفسي.
2) “تطبيع الخطر” بدل “الانهيار”: إلغاء مدافع رمضان، وتخفيف أصوات التنبيهات، والعمل والتعليم عن بعد.. هذه تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تصنع فكرة كبيرة فحواها
هذه التفاصيل الصغيرة تصنع فكرة كبيرة: الإنسان يتكيّف مع الخطر دون أن يفقد توازنه.
3) الامتنان كحالة شعورية جماعية: المقال مفعم بلغة الشكر للجيش والأجهزة الأمنية وللقيادة.. والكلمات هنا لم تأتِ تعبيراً عن خطاب سياسي، بل مشاعر نفسية جماعية لتثبيت الطمأنينة.
ثانياً: المقال ليس إنسانياً خالصاً (وهنا العمق)، فرغم طابعه الإنساني، إلا أن المقال يحمل بنية سياسية ضمنية قوية، يمكن تلخيصها كما يلي:
1) إعادة تعريف “الحرب”: النص يقول ضمنياً بأن الحرب موجودة، لكننا لا نراها. لا دبابات، لا طوابير، لا انهيار. هذه صياغة حديثة للحرب، وليست مشهداً تقليدياً. (لم أقرأ في حياتي مثل هذا التعريف للحرب).
2) الدولة الوظيفية” كدرع نفسي، حيث يركّز المقال على الإعلام المنضبط، والتنبيهات المنظمة، والشفافية.. وهنا تطلق سميرة رجب رسالتها العميقة: الدولة الحديثة لا تحمي فقط الحدود، بل تحمي الإدراك الجمعي
3) معضلة الدولة الصغيرة (مفهوم مهم جداً). فالإشارة إلى صغر مساحة البحرين و”العمق الاستراتيجي” المحدود – في رأيي – تعدّ من أقوى فقرات المقال فكرياً، لأنها تفتح سؤالاً كبيراً: كيف تعيش دولة صغيرة في عصر الصواريخ الباليستية والمسيرات؟ هنا يرتقي النص من “مقال إنساني” إلى: إشارة جيوسياسية ذكية.
أخيراً.. يمكن توصيف المقال بدقة بأنه نص إنساني في لغته، سيادي في روحه، وظيفي في رسالته. هو مقال إنساني، كُتب بوعي سياسي، ليؤدي وظيفة نفسية – مجتمعية في زمن الحرب. وهو – وأقولها بكل اعتزاز – لسان حال كل المواطنين والمقيمين ليس فقط في البحرين بل في كل دول الخليج العربية.
الدكتور جلال حاتم
يلمس القارئ للمقال براعة الكاتبة في “أنسنة” المشهد: تُشكر الباحثة سميرة رجب على قدرتها في نقل “التفاصيل الحياتية الصغيرة” التي غالباً ما تغفلها التقارير الإخبارية الجافة. تركيزها على استمرار حركة الأسواق، والتعليم، وحتى نزهات نهاية الأسبوع، يقدم دراسة حالة واقعية حول “المرونة المجتمعية” (Social Resilience) وكيفية الحفاظ على الاستقرار النفسي الجماعي تحت الضغط.
كما وقد لفت انتباهي بشدة تحليل مفهوم “العمق الاستراتيجي”: حيث طرحت الكاتبة إشكالية تقنية هامة تتعلق بجغرافيا الدول الصغيرة وتحدي “المسافة الآمنة”. هذا التحليل يفتح الباب للنقاش حول تطور مفاهيم الدفاع الحديثة التي تعتمد على الكفاءة التكنولوجية والسرعة بدلاً من المساحات الشاسعة، وهو استنتاج موضوعي يسترعي الانتباه.
إدارة التدفق المعلوماتي: نجحت الباحثة في رصد دور “الإعلام الأمني” ليس كمجرد أداة توجيه، بل كوسيلة لامتصاص القلق ومنع الشائعات. الإشادة هنا تذهب إلى “المنظومة المؤسسية” التي استطاعت طمأنة المدنيين عبر قنوات تواصل حديثة ومنظمة، مما جنب المجتمع آثار “اكتئاب الحرب”.
كلّ الأمان للبحرين الشقيق، وأبعد الله عن كلّ بلداننا العربية شبح الحروب وآلامها