لا تعلن الدول الكبرى استراتيجياتها في سياسات الهيمنة، ولكن يمكن استقرائها بالتراكم المعرفي، ومن خلال مجمل تقارير مراكز الدراسات، والتسريبات الإعلامية، والتصريحات والأحداث السياسية، التي تدور في فلك المنطقة المستهدفة، ومن هذا المبدأ يمكن قراءة مفهوم “التهديد المُدار” في سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران سواء مع نظام بهلوي السابق، او نظام الملالي القائم. 

في ظل الظروف الراهنة في الخليج العربي، تعني استراتيجية “التهديد المُدار” أن الولايات المتحدة لا تسعى بالضرورة إلى القضاء التام على إيران كفاعل إقليمي قوي، بل إلى إبقائها في حالة من التوتر والفوضى، وقادرة أن تخدم أهدافًا استراتيجية متعددة. هذا المفهوم، الذي نوقش في تحليلات متخصصة، يقوم على فكرة أن وجود خصم قوي، ولكنه “مُقيّد”، يحقق لواشنطن مكاسب أكبر من اختفائه تمامًا. هذا التوازن الدقيق يخلق حالة من “الاعتماد الدائم للدول الخليجية على المظلة الأمنية الأمريكية، مما يعزز الشراكات العسكرية ويبقي الطلب مرتفعًا على منظومات الدفاع والتسليح المتطورة”.

التناقض الظاهري… التدمير في خدمة الإدارة

السؤال هنا، إذا كان الهدف الأمريكي هو “إدارة” التهديد وليس إنهاؤه، فكيف نفسر الضربات العسكرية التي تستهدف تفكيك القدرات الإيرانية؟…

لمعرفة الجواب يجب التأكيد على أن التناقض بين مفهوم “التهديد المُدار” وسياسات تدمير قوة إيران ليس خطأً استراتيجيًا، بقدر ما هو أداة من أدوات “الإدارة” في السلوك الاستعماري.

وبمتابعة مجريات الحرب، وتفاصيل الغارات والصواريخ التي استهدفت مناطق محددة في إيران، والتي لا تشبه في تفاصيلها كل الدمار الذي لحق بالعراق من القصف الأمريكي خلال حربي 1991، و2003، يمكننا التأكيد على إن تدمير القدرات الإيرانية لم يكن بهدف إنهاء إيران، بل هو بهدف ضبط مقاييس القوة الإيرانية على قياس الدول المُهَدَدَة، ومنع امتلاك ما هو أكثر من ذلك… ولم تستهدف الضربات تفكيك الدولة الإيرانية، بل تفكيك قدرات إيران التهديدية المفرطة، والهدف هو تحويل إيران من “قوة جامحة” إلى “خصم معروف يمكن الضغط عليه وتعديل سلوكه” في حدود المصالح والتوازنات المراد تحقيقها.

وفي الجانب الآخر، هناك ضرورة لاستخدام سياسات “التهديد المُدار” مع الخطر الإيراني كأداة فعالة في تعزيز نفوذ إسرائيل الإقليمي، كشريك أمني استراتيجي، حيث من المتوقع أن يتم العمل على إعادة صياغة التحالفات في المنطقة بشكل غير مسبوق، والضغط باتجاه توسيع دائرة الاتفاقات الابراهيمية.

إذن تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية، دون تفكيك الدور الإيراني، لا يتعارض مع استراتيجية “التهديد المُدار”، ولا ينهي دور إيران الإقليمي، بل إنه وسيلة لتحقيق الأهداف الأمريكية، وآلية أساسية للحفاظ على هذا الدور نفسه في صيغة أكثر قابلية للتحكم، بحيث تصبح إيران أقل قدرة على شن حرب شاملة، لكنها تظل قادرة على ممارسة الضغط الإقليمي، لإبقاء دول الخليج في حالة “احتياج دائم” للحماية الأمريكية، ويضمن استمرار التبعية العسكرية والشراكات الاستراتيجية. وترسيخ النفوذ يسمح للولايات المتحدة بضمان تدفق الإمدادات النفطية مع الاحتفاظ بدورها كوسيط وضامن وحيد للأمن الإقليمي.

العراق، ورقة الضغط المعقّدة: بين التهديد والواقع السياسي

السؤال المحيّر الآخر هو: ماذا عن القدرات الإيرانية الميليشياوية المهدِدَة لأمن المنطقة انطلاقاً من العراق؟، أليس من المفترض أن استراتيجية “التهديد المُدار” يضمن القضاء على كافة أذرع إيران في الخارج، كما تفكك قوتها في الداخل؟

النقطة المحورية في السؤال المطروح هو أن الوجود الإيراني في العراق لا يُعدّ مجرد تهديد أمني، بل يمثل أيضاً ورقة ضغط سياسي معقدة للغاية، حتى باتت تشكّل الميليشيات المدعومة من إيران تهديدًا حقيقيًا وموثّقًا، إذ سجّلت أكثر من 600 هجوم على المصالح الأمريكية في العراق وحدها منذ بداية الحرب، وامتدّ هذا التهديد ليشمل التخطيط لشن هجمات داخل الولايات المتحدة نفسها (بحسب التقارير الأمريكية).

فإذا كان التهديد واضحًا، فلماذا تتراجع أمريكا عن المواجهة المباشرة؟

في تقديرنا إن هذا الخطر لا يقتصر على الجانب العسكري، بل الخطر الأكبر لهذه الميليشيات يكمن في هيكلها المنفلت، ووجودها كـ”دولة داخل دولة”، مما يجعل استهدافها بمثابة مواجهة مع الدولة العراقية!. وإن اندماج هذه الميليشيات في نسيج الدولة العراقية نفسها، قد يجعل مواجهتها مضاعفة في صعوبتها!، وإن الصدام المباشر الذي يمكن أن يجر العراق إلى صراع إقليمي مباشر، سيقوِّي نفوذ إيران في المنطقة، وبالتالي من الأرجح إن يشكل ذلك رادعاً رئيسياً أمام عدم قيام هذا الصدام أو الاستهداف المباشر مع هذه الميليشيات!!

ورغم ذلك، تؤكد الوقائع حتمية الصدام بين الطرفين في العراق؛ ولكن الأرجح إن يكون حرب بالوكالة، أكثر منها مواجهة مباشرة، حيث الاستراتيجية الأمريكية لم تعد تركز على القضاء على هذه الجماعات، بل على إدارتها واحتوائها لتصبح مشكلة العراق الأولى والقصوى، من خلال الضغط الاقتصادي لدفع بغداد إلى محاولة تقييد نفوذ الميليشيات أو دمجها في هيكل الدولة، وبالتالي إبقاء فتيل الفوضى والصراع الداخلي مستمراً.

هذا التحول من “إزالة النظام” إلى “إدارة المخاطر” هو جوهر السياسة الأمريكية في العراق اليوم، ضمن استراتيجية الضغط الأقصى، أقتصادياً، عسكرياً، مالياً، وعبر التصنيفات الإرهابية…

“إدارة المخاطر” أم “إدارة الفوضى”…

العلاقة بين مفهومي إدارة المخاطر وإدارة الفوضى هي في وجود بيئة إقليمية غير مستقرة تمامًا، ولكن يمكن التحكم في درجاتها، بحيث تخلق حاجة دائمة للدور الأمني الأمريكي… بينما يشترك المفهومان في أوصاف محددة، أهمها: 1- القدرة على منع ظهور أي قوة إقليمية مهيمنة (عدا إسرائيل)؛ 2- عدم السعي لحل جذري للصراعات الإقليمية (مثال: فلسطين، لبنان، اليمن) لأن استمرارها يبرر الوجود العسكري في المنطقة؛ 3- إبقاء تهديدات، مثل إيران والميليشيات، عند مستوى يمكن السيطرة عليها، وليس القضاء عليها كلياً.

“مؤامرة” أم “واقع جيوسياسي”؟!

هما الأمرين معاً، حيث أن أمريكا لم تحل أي نزاع إقليمي جذريًا في 30 عامًا (فلسطين، العراق، لبنان، اليمن، ليبيا، سوريا)، بل كل “حل” (إن وجد) كان مؤقتًا ويُعيد إنتاج الأزمة بشكل جديد… إذ يمكن الاستنتاج إن هذا ليس عجزًا، بل تعمُّد. فاستمرار حالة “اللا سلم واللاحرب” يضمن تدفق مبيعات السلاح، وتمركز القواعد، وضعف التفاوض العربي.

قيل إن الولايات المتحدة حاولت بالفعل تطبيق حلول كاتفاقيات أوسلو، وغزو العراق لإقامة “ديمقراطية”، والانسحاب من أفغانستان، ولكن كل محاولاتها فشلت… والسؤال هل فعلاً هي حلول فشلت، أم هي حلول حققت الرؤية الأمريكية؟؟… أم حيثما تبدو الإدارة الأمريكية عاجزة عن تحقيق الاستقرار، تعمل على تحويل هذا العجز إلى استراتيجية “تَقَبّل الواقع” وإدارة الأسوأ؟!!.

وبغض النظر عن النوايا الأمريكية، فإن النتيجة واحدة على الدول العربية، وهي تآكل السيادة، وتحول المنطقة إلى أكبر سوق أسلحة في العالم، وتأجيل التنمية.

هل هناك مخرج!!

إن نموذج “إدارة الفوضى” لن ينتهي إلا عندما يصبح البقاء بدون أمريكا أقل كلفة من البقاء معها. وهنا نعود مرة أخرى إلى أهم متطلبات التقليل من الكلفة، وهو السعي الجاد في بناء منظومة عربية متكاملة وذكية، اقتصاديًا، سياسياً، دبلوماسياً، وعسكريًا، مما يجعل من الكتلة العربية ثقلًا إقليميًا مستقلًا.

وهذا لا يمنع من عقد تسوية شاملة مع إيران تقوم على المصالح لا المواجهة (كما تفعل الصين وروسيا حاليًا)، ورفع درجة أولوية الإصلاح الداخلي.

حتى ذلك الحين، ستستمر أمريكا في لعب دور “شرطي العالم” الذي لا يحل المشكلات، بل يديرها لصالحه.

أخيرً، ولاستكمال حديثنا حول “أركان لعبة الحرب في الشرق الأوسط”، ومجادلة وعي القارئ الكريم بواقعية سياسية، سنحاول في المقال القادم الإجابة على سؤال يتردد كثيراً، وهو: هل انسحاب أمريكا الكامل من المنطقة سيكون حلًا لأزماتها، أم سيخلق فراغًا يملؤه لاعبون أكثر خطورة؟.

المراجع

1. What to know about U.S. shifting targets, new deployments and diplomatic double game as conflict enters Day 30?-Xinhua

2. Between decapitation and retaliation: where is U.S.-Israel-Iran conflict heading? | South

3. https://8am.media/eng/why-the-united-states-is-not-truly-seeking-the-collapse-of-irans-regime

4. إيران كتهديد مُدار: قراءة في صياغة التوازنات الأمريكية بالمنطقة – أمد للإعلام


    1 تعليقات

    1. يمكن القول إن الجزء الثاني من مقال المفكرة العربية سميرة بن رجب بعنوان الموسوم بـِ “هل اكتملت أركان لعبة الحرب في الشرق الأوسط؟” يمثل امتداداً متماسكاً للطرح الذي بدأته في الجزء الأول، ويتميز بتقديم قراءة استراتيجية للعلاقات الأمريكية – الإيرانية من منظور يتجاوز التفسيرات التقليدية للصراع المباشر، من خلال توظيف مفهوم “التهديد المُدار” بوصفه إطاراً تفسيرياً لسلوك القوى الكبرى في المنطقة.
      ويتضمن المقال نقاط قوة فكرية لافتة، لعل أبرزها أنه لا يكتفي بمتابعة الأحداث العسكرية أو السياسية اليومية، بل يحاول البحث عن المنطق الاستراتيجي الكامن وراءها. فبدلاً من تفسير الضربات الأمريكية أو الإسرائيلية لإيران باعتبارها سعياً لإنهاء الدور الإيراني، تطرح الكاتبة فرضية أن الهدف قد يكون ضبط هذا الدور وإدارته ضمن حدود معينة. وهذه المقاربة تمنح المقال بعداً تحليلياً يتجاوز القراءة الخبرية المباشرة. ونجحت سميرة رجب في إبراز العلاقة بين استمرار مصادر التهديد في المنطقة وبين بقاء الطلب على الحماية الأمنية والتحالفات العسكرية وصفقات التسليح. وهذه زاوية مهمة لأنها تنقل النقاش من المستوى العسكري البحت إلى مستوى الاقتصاد السياسي للأمن الإقليمي، وهو بعدٌ غالباً ما يغيب عن كثير من التحليلات العربية. كما يُحسب للمقال أنه لم يتعامل مع المليشيات المدعومة من إيران في العراق باعتبارها مجرّد ملف أمني، بل باعتبارها جزءاً من بنية سياسية واجتماعية وتشابكات مؤسسية تجعل التعامل معها أكثر تعقيداً من مجرد المواجهة العسكرية. وهذه قراءة أقرب إلى الواقعية السياسية من الطروحات التبسيطية التي تفترض إمكانية الحسم السريع. فضلاً عن أن المقال يقدّم فكرة جديرة بالتأمل مفادها أن بعض القوى الكبرى قد لا تسعى دائماً إلى إنهاء الصراعات، بل إلى إدارتها بما يحفظ مصالحها الاستراتيجية. وهذه الفكرة ليست جديدة في أدبيات العلاقات الدولية، لكن الكاتبة نجحت في توظيفها ضمن سياق الشرق الأوسط بصورة واضحة ومفهومة للقارئ العام. وما يميز المقال أيضاً أنه لم يتوقف عند نقد السياسات الدولية، بل حاول طرح مخرج يتمثل في بناء منظومة عربية أكثر تكاملاً على المستويات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية، إلى جانب الدعوة إلى تسويات إقليمية قائمة على المصالح المتبادلة والإصلاح الداخلي. وهذا يمنح المقال بعداً استشرافياً وليس وصفياً فقط.
      ومن الملاحظات التي كان يمكن أن تثري المقال توسيع نطاق التحليل ليشمل الأذرع الإقليمية الأخرى لإيران، وليس العراق فقط، وفي مقدمتها الحوثيون في اليمن وحزب الله في لبنان. فالحوثيون لم يعودوا مجرد طرف في نزاع محلي، بل أصبحوا عاملاً مؤثراً في أمن البحر الأحمر وباب المندب والملاحة الدولية، بينما يمثل حزب الله أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في المشرق العربي. ومن ثم فإن تقييم استراتيجية «التهديد المُدار» يظل أكثر اكتمالاً إذا تناول شبكة النفوذ الإيرانية بأكملها، ومدى سعي الولايات المتحدة إلى تفكيك هذه الأذرع أو إعادة ضبط أدوارها ضمن توازنات إقليمية جديدة، بدلاً من التركيز على الساحة العراقية وحدها.
      وفي تقديري، أن أهم قيمة فكرية للمقال، أنه يدفع القارئ إلى التفكير في سؤال يشغلنا ويقلقنا في آنٍ واحد: هل تُدار أزمات الشرق الأوسط بهدف حلها أم بهدف إبقائها ضمن مستوى معين من الاستمرار؟
      هذا السؤال، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع الإجابة التي تقدمها سميرة رجب، يمثل مدخلاً مشروعاً للنقاش الفكري والاستراتيجي، لأنه يحفز القارئ على النظر إلى الأحداث من منظور المصالح طويلة المدى للقوى الدولية وليس فقط من زاوية التصريحات الرسمية أو الوقائع الآنية.
      وفي المجمل، يُعد المقال نموذجاً للمقال التحليلي السياسي الذي يسعى إلى تفسير ما وراء الأحداث، لا مجرد وصفها، ويتميز بجرأة الطرح واتساع الأفق الاستراتيجي، حتى وإن ظلت بعض استنتاجاته قابلة للنقاش والاختبار في ضوء تطورات الواقع السياسي المتغير.
      وإذا سمحتِ لي سيدتي الفاضلة، أن أقول، بأن خاتمة مقالك وتحديداً تأكيدك على “السعي الجاد في بناء منظومة عربية متكاملة وذكية، اقتصادياً، سياسياً، دبلوماسياً، وعسكرياً، مما يجعل من الكتلة العربية ثقلًا إقليميًا مستقلًا”.. ذكَّرتني بمقولةٍ كنت قرأتها منذ فترة طويلة: “إذا لم يكنْ لكَ مقعدٌ على طاولة الطعام، فهذا يعني أنَّكَ على قائمةِ الطعام”.
      تحياتي لكِ

      الدكتور جلال عبدالله حاتم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *