خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، أجريت حواراً مع أفراد من المسؤولين الحكوميين في عهد الرئيس اليمني علي عبدالله صالح حول مشكلة الحوثي، وعلمت إن الحكومة اليمنية طلبت، عدة مرات، مساعدة ودعم من دول الخليج العربي لمواجهة حركة الحوثيين التي بدأت في جبال صعدة شمال اليمن، ودخلت في عدة صراعات مسلحة ضد الحكومة اليمنية منذ 2004؛ وقد تم إبلاغ القيادات الخليجية حول الدور الإيراني في هذه الحركة، وأهدافها، بتفاصيل تم الحصول عليها من واقع الأحداث على الأرض، ومن اعترافات المعتقلين الحوثيين في السجون اليمنية، والتي تتطابق مع ما يحدث اليوم على ارض الواقع. ولكن، بحسب تلك المصادر اليمنية، دول الخليج تجاهلت الحركة وخطرها المتصاعد، والطلب اليمني. اتوقف هنا عن سرد المزيد لأن كل ما كان متوقعاً في الحسابات اليمنية، قد حدث، وهو ما دفعني لذكر هذه الواقعة المهمة.
نعم، يمكن القول إن تجاهل دول الخليج، لحركة الحوثيين في مرحلة نشأتها الأولى، ثم تعاملها معها لاحقاً بشكل متقطع، كان أحد العوامل المهمة التي ساهمت في تصاعد خطرها. لكن هذا ليس السبب الوحيد، بل هو جزء من سلسلة من الإخفاقات والإهمالات المتراكمة، وتدخلات الأجنبية.
مرحلة النشأة… حركة دينية صغيرة لم تحظ باهتمام خليجي
بإيجاز شديد حول نشأتها، بدأت حركة الحوثي في التسعينيات كحركة إحياء دينية زيدية تُسمى “الشباب المؤمن”، بقيادة حسين الحوثي، وكان هدفها “المعلن” الحفاظ على التراث الزيدي في مواجهة المد السلفي. في هذه المرحلة، لم تكن الحركة تشكل تهديداً عسكرياً أو سياسياً كبيراً، وكان يُنظر إليها في البداية كأداة لموازنة الجماعات السلفية أو كشأن يمني داخلي (حقائق-من هم الحوثيون ولماذا يتعرضون للهجوم؟ – SWI swissinfo.ch).
عندما اندلعت المواجهات العسكرية بين الحوثيين والحكومة اليمنية منذ عام 2004، لم تتدخل دول الخليج مباشرة إلا في عام 2009، بعد أن بدأ الحوثي بشن هجمات عبر الحدود. حتى ذلك الحين، كان التدخل محدوداً بمستوى ردّ فعل على استهداف مباشر، وليس استراتيجية استباقية لاحتواء الحركة.
الأهم من ذلك، أن الحروب الست بين الحكومة اليمنية والحوثيين (2004-2010) لم تحسم شيئاً، وقد جاء في تحليل أجراه معهد “كارنيغي” عام 2010 أن الحكومة اليمنية لم تكن جادة في معالجة المظالم الأساسية، وأن القتال كان مرشحاً للاستمرار. والخليج بدوره اكتفى بدعم الحكومة اليمنية مالياً ولوجستياً، دون أن تطور استراتيجية شاملة لإنهاء الحركة أو احتوائها سياسياً (الحرب في صعدة: من تمرّدٍ محلّي إلى تحدٍّ وطني).
نقطة التحول… 2014 وسقوط صنعاء
الكارثة الكبرى حدثت في عام 2014، عندما استغل الحوثيون ضعف الحكومة الانتقالية برئاسة عبد ربه منصور هادي، وتحالفوا مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وسيطروا على العاصمة صنعاء. هنا فقط، تم استدراك حجم الخطر، فتم التدخل الخليجي العسكري في 2015 بتحالف واسع، لكن هذا التدخل جاء بعد فوات الأوان، بعد أن أصبح الحوثيون قوة مسلحة راسخة تسيطر على مؤسسات الدولة وأسلحتها.
لماذا كان التجاهل خطأً استراتيجياً؟
المفارقة أن كان هناك فرصة ذهبية للقضاء على الحركة في مراحلها الأولى، لكنها لم يتم استغلالها لأسباب عديدة، منها الانشغال بأولويات أمنية أخرى في المنطقة بعد احتلال العراق، ولم يتم النظر إلى اليمن كجبهة أساسية، مع الاعتقاد بأن ما يحدث في اليمن “شأن داخلي”… ومع عدم الإدراك أن ترك اليمن في حالة من الفوضى والصراع المستمر سيخلق بيئة خصبة لتدخل إيران. أما السبب الأخطر، كما تشير تحليلات لاحقة، فهو الثقة المفرطة في “المظلة الأمريكية”، دون أن تبني دول الخليج استراتيجية مستقلة.
بالمحصلة، يمكن القول إن تجاهل حركة الحوثي في مرحلة نشأتها كان خطأً استراتيجياً، لكن المشكلة لم تكن “التجاهل” فقط، بل غياب استراتيجية خليجية موحدة ومستمرة للتعامل مع الحالة اليمنية، بينما كان الحوثيون يتقدمون في القوة والاستعداد. واليوم، كما تشير تحليلات “تشاتام هاوس”، لم يعد الحوثيون مشكلة المملكة العربية السعودية فقط، بل تحدياً أمنياً خليجياً جماعياً، وأي حل عسكري منفرد لن ينجح (The Yemen war is not just Saudi Arabia’s problem. It’s the Gulf’s too | Chatham House – International Affairs Think Tank).
الأهداف الميدانية الفورية… “الردع المتبادل” ورفع الكلفة
واليوم لا يمكن اختزال سلوك الحوثيين في سبب واحد، بل هو مزيج من الحسابات الميدانية الفورية، والأهداف الاستراتيجية طويلة المدى، والبعد الأيديولوجي والعقائدي، مع الارتباط بالصراع الإقليمي الأوسع مع إيران.
- الهدف الاستراتيجي: فرض “الابتزاز” وإعادة تعريف الذات
فيما وراء الرد الميداني، يسعى الحوثيون إلى تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد عبر “الابتزاز السياسي والمالي”، من خلال الضغط التفاوضي، وتقديم أنفسهم ليس كـ”جماعة متمردة” أو “وكيل إيراني” فحسب، بل كقوة إقليمية رئيسية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات أمنية تتعلق بالبحر الأحمر وباب المندب. كما يسعون لاكتساب شرعية دولية بحكم الأمر الواقع (خبير العلاقات الدولية: الحوثيون يمارسون الابتزاز الاستراتيجي باستهداف العمق السعودي).
- البعد الأيديولوجي والعقائدي… “المعركة المصيرية“
بالإضافة إلى الحسابات الباردة، تلعب الدوافع الأيديولوجية دوراً مهماً. يصف مسؤولون يمنيون الهجمات بأنها تأتي من “دوافع عقائدية وأيديولوجية وعدائية تاريخية”.
- البعد الإقليمي: “الورقة الإيرانية” التي تلعب لنفسها
الحوثيون هم جزء من ما يُدعى “محور المقاومة” الإيراني، لكن علاقتهم بطهران أكثر تعقيداً من مجرد وكالة. بحسب تاريخهم السياسي والعقائدي، هم لا يتبعون “ولاية الفقيه” كمرجعية دينية عليا، ويحتفظون باستقلالية تنظيمية وعقائدية، “على عكس جماعات حزب الله أو العراق، لا تعتبر حركة الشباب الحوثي المرشد الأعلى الإيراني السلطة الدينية العليا لها”، ودافعها يأتي أيضا بشكل رئيسي من العوامل الداخلية “لكنه يتماشى أيديولوجيا مع إيران” (إشعال القتال في اليمن: نظرة شاملة على خلفية ومتطلبات المنظمة العسكرية “حركة الشباب” | دولي | وكالة الأنباء المركزية CNA).
أن تصعيد الحوثيين يمنح إيران ورقة ضغط إضافية ويقيد خيارات واشنطن، وفي الوقت نفسه، الحوثيون يخدمون أجندتهم الخاصة أولاً، فيريدون ترسيخ سلطتهم داخل اليمن أولاً وقبل كل شيء.
إن قصف الحوثيين لمملكتنا العربية السعودية هو استراتيجية “تصعيد محسوب”، بمعنى انهم لا يريدون حرباً شاملة مع الرياض (لأن ذلك قد يكون مدمراً لهم)، لكنهم يريدون إبقاء مستوى معين من التوتر يستخدمونه كورقة ضغط. وبحسب المعطيات الميدانية، وكنتيجة بنيوية للاستراتيجية الإيرانية التي تدرك أن ضرب السعودية مباشرة أقل فعالية من جعلها “نقطة ضغط استراتيجية”، فإن إيران تلجأ لاستنزاف المنطقة عبر الحوثيين، بينما تُبقي نفسها في مأمن نسبي (MCU Insights, vol. 17, no. 2).
استشراف ما ستؤول إليه الأوضاع في الخليج…
المحصلة الاستراتيجية لما ستؤول إليه الأوضاع، بناءً على المعطيات الحالية، وأهمها، تآكل الثقة في الضمانات الأمريكية، والضغط المفروض على الاقتصاد، هي أن المنطقة تنتقل من نظام أمني تقليدي قائم على “المظلة الأمريكية” إلى نظام هجين ومجزأ، تتعايش فيه ترتيبات أمنية متعددة ومتنافسة؛ وإعادة رسم خرائط الطاقة، دون أن يكون لأي طرف سيطرة كاملة.
بالمحصلة، ستدخل منطقة الخليج إلى عصر “ما بعد المظلة” الذي سيتحول فيه الدور الأمريكي من “الحامي” إلى “الممكّن” الذي يبحث عن الخروج، مما يترك فراغاً تتحرك فيه إيران وتركيا وإسرائيل، بترتيبات أمنية مؤقتة ومتداخلة، تعتمد على مصالح متغيرة وتحالفات مرنة بدلاً من الكتل الثابتة.
المشهد القادم ليس سلاماً ولا حرباً شاملة، بل حالة دائمة من التوتر المحسوب، تدفع فيه دول الخليج ثمن كونها ساحة للصراع بين قوى إقليمية ودولية تتقاطع مصالحها على إعادة رسم وهندسة خرائط الطاقة وبنيتها التحتية.
