يقودنا تحليل الجانب الأنثروبولوجي في السلوك الثقافي-السياسي الفارسي إلى إطار أوسع من التحليل الجيوسياسي التقليدي، حيث تتداخل هنا عوامل التاريخ والجغرافيا والهوية والدين لتشكل، ثقافة تعاملت مع الصراعات الطويلة بمنطق خاص، على مدار عهود أنظمة الحكم المتعاقبة، وبمنهجية ثقافية خاصة بالشخصية الفارسية، التي قد لا يوجد لها مثيل في ثقافات أمم أخرى.
أحد مفاتيح هذا التحليل، لفهم السلوك الفارسي في صراعه الدائم مع “الآخر”، هو موقع إيران الجغرافي والتاريخي الفريد في مفترق طرق الحضارات والأقوام والأديان التي أسست التاريخ البشري. هذا الموقع أنتج لدى الفرس سيكولوجية “مَن هم على الطريق”، وما يتحمله هؤلاء من مصاعب “العبور”، وما يجعلهم على الدوام في حالة الشعور بالمواجهة “الصراع” مع الآخر “العدو” (الفرس، إيران في العصور القديمة والوسطى والحديثة؛ هوما كاتوزيان، ط1- 2014).
ومن جملة العناصر المرَكّبَة التي انتجتها سيكولوجية الصراع مع الآخر هو أنها جعلت الإيرانيين أكثر عرضة لخطر الاغتراب الثقافي، وفقدان الهوية بين الأقوام الأقدم والحضارات الأعرق المحيطة بهم، وهذا ولّد شعوراً عميقاً بالحاجة إلى التمسك بالاستمرارية التاريخية في الصراعات، وربطها ببعض، واعتبار التهديد الخارجي (الحقيقي والمُتخيّل) ليس خطراً عسكرياً فحسب، بل خطر وجودي وهوياتي (The Iranian Mind. Trauma, Rupture, and the Survival of a… | by Promethean Light: Zarathustra & Übermensch | Jul, 2026 | Medium).
سيكولوجية “العبور” والاغتراب الثقافي الفارسي… المنشأ والاستمرارية
يعد كتاب الـ”شاهنامة” أو “كتاب الملوك”، للشاعر الفارسي أبو القاسم الفردوسي (329-416هـ/ 940-1025م) منعطفاً فارقاً في تاريخ الهوية الثقافية الإيرانية، هو عمل أدبي ضخم يحمل في طياته أكثر من كونه مجرد شعر ملحمي. إنه أشبه بـ”ذاكرة” الأمة الفارسية وحصنها الثقافي، ولعب دوراً محورياً في تشكيل الثقافة الإيرانية.
في الشاهنامة، لا قيمة لشخصية ثابتة أو مستقرة، بل البطل الحقيقي هو من يغادر وطنه، أو يواجه الوحوش، أو يخوض الحروب، أو يبحث عن شيء مفقود. الحركة هي الحياة، والثبات هو الموت.
منذ البداية، يبدأ العمل بخلق النظام من الفوضى، لكن هذا النظام لا يدوم إلا بالجهاد المستمر ضد قوى الظلام والشر. هذه الصراعات ليست خارجية فقط، بل هي مرايا لمعارك داخلية بين النور والظلام، الخير والشر، وغيرها من الثنائيات، في الطبيعة.
الشاهنامة خلق سيكولوجية السالك، أو العابر، في العقل الفارسي، وهو الإنسان الذي يعيش حالة دائمة من الترحال الوجودي، ويواجه المصاعب ليس لأنه يبحث عن المجد، بل لأن المصاعب هي دليل وجوده وحقيقته. هذا الإنسان يرى في الألم تكريماً، وفي الثبات خيانة للذات، وفي الراحة بداية للاندثار.
اتحاد المُلك والدين
الشاهنامة بما يحمله من سرد تاريخي اسطوري، يعكس ثقافة تقديس الملوك والرموز الفرس، لأنهم يحملون “النعمة الإلهية” التي تلهمهم القوة الجبارة، والأخلاق والعدل والحكمة؛ ويعكس شخصية الملك الفارسي عبر التاريخ على أنه الحارس للغة الفارسية والهوية الإيرانية، حيث ساهم في بقاء “الحضارة” الإيرانية عبر قرون من التحولات، مما جعل من الكتاب رمزاً قومياً يُقدس (Beyond poetry: Shahnameh as guardian of Iranian identity – Tehran Times).
زرع كتاب “شاهنامة”، الذي يتم تعليمه للأطفال، والكبار، في مدارس إيران، بذور ثقافة تقديس الرموز وبناء الهوية القومية؛ وربط الديني بالسياسي من خلال “النعمة الإلهية”، التي جعلها هبة ربانية لكل ملك يحكم بلاد فارس، وكرّس فكرة اتحاد المُلك والدين.
هذا الميراث النفسي ما زال حاضراً بقوة في الثقافة الإيرانية المعاصرة، ويفسر الكثير من تعقيدات العلاقة بين الشعب الإيراني وبين السلطة، والحرب، والتاريخ، بل وحتى الجمال (فجمال الحزن أعمق عندهم من جمال الفرح). تعلّم الشعب من الشاهنامة أن الحياة هي جسرٌ يعبرونه، وليس بيتاً يسكنونه.
كتاب الشاهنامة هو أكثر من مجرد قصيدة، هو نسيج معقد من الأسطورة والتاريخ والحِكَم السياسية؛ نجحت في أن تصبح أداة لتقديس الرموز القومية، ومرجعاً للفكر السياسي الإيراني، الذي يربط بين الشرعية المَلَكية والإرادة الإلهية، على الرغم من الجدل المستمر حول دور هذه الملحمة الشعرية وهويته بين كونها عملاً قومياً علمانياً أو أيديولوجياً متنافساً مع النص الديني.
الشاهنامة والصفويين… تكريس الرباط بين الديني والسياسي
رغم العلاقة الوثيقة بين سياسات الدولة الصفوية وبين ما ورد في الشاهنامة من مفاهيم حول ربط الدين بالسياسة، إلا أن الصفويين في بلاد فارس لم يكتفوا بنقل هذه المفاهيم، بل أعادوا تأطيرها وتوظيفها لتخدم مشروعهم السياسي- الديني. لم تكن العلاقة مجرد تأثر، بل كانت عملية استراتيجية لتوليد شرعية جديدة (https://www.ahewar.org/debat/s.asp?aid=894837#1).
اعتمد الصفويون في بناء دولتهم على توليفة معقدة وفريدة، جمعت بين ثلاثة عناصر رئيسية لضمان شرعيتها وقوتها: القوة العسكرية (القزلباش)، الإدارة البيروقراطية الفارسية، وأخيراً وليس آخراً الشرعية الدينية المتمثلة في التشيع الاثني عشري. هذه الركائز الثلاث شكَّلَت نسيجاً متكاملاً، جعل الدين ليس مجرد عنصر عقائدي ثقافي، بل ركيزة أساسية للسياسة؛ ووجدوا في الشاهنامة أداة مثالية لتجسيد مشروعهم، فعملوا على إحيائه ونشره على نطاق واسع.
وَظّف الصفويون ملحمة الشاهنامة التي تخلِّد اسطورة المجد الفارسي في تقوية الروابط الوطنية لمواجهة أعداء مثل العثمانيين… استخدموا مفهوم “المنحة الإلهية” لتقديم أنفسهم كخلفاء شرعيين للملوك الفرس الأسطوريين، وكأنهم يستمدون شرعيتهم من نفس المصدر الإلهي… وربط الصفويون ببراعة بين تقاليد الشاهنامة البطولية الاسطورية والتاريخ الشيعي، والذي ظهر بوضوح في تصوير فنون القتال الأسطورية في المعارك، وفنون المنمنمات التي صورت سلاطينهم كأبطال أسطوريين يشبهون ملوكالملحمة الشعرية، مع إضفاء صبغة شيعية على بعضهم بمد نسبهم إلى نسل الأئمة.
يعد هذا المقال القصير جزءاً يسيراً من تحليل يجب أن يتوسع مداه، ويأخذ حقه العلمي في تفسير ظاهرة السيكولوجية الإيرانية السياسية والثقافية، لما لذلك من دور قد يكون منفذاً للتحكم في الصراعات في الخليج. لقد حاولت هنا وضع قواعد أولية لفهم ثقافة الإيرانيين بعمق ليس من السهل الحفر فيه، والوصول إلى كل طبقاته، ولكن قد يجيب ضمنياً على اسئلة مُلِحة حول أسباب الصراع التوسعي الإيراني الذي لا ينتهي، من منظور سيكولوجي وفلسفي، هل صراع إيران الخارجي هو مع خصوم حقيقيين! أم إن إيران تصنع الخصوم بفلسفة “صناعة العدو” كأداة من أدوات البقاء وإثبات الوجود! وهل يعد هذا سلوك دولة طبيعية؟ أم يعد إشكالاً عميقاً يتجاوز المفهوم التاريخي للدول!

هذا جيد سيدتي… كلما كان المقال قصيراً كلما سهل هضمه من قبل القارئ…!
واذا لا يكفي لطرح الفكرة كاملة … فليكن جزء اول وللحديث بقية ….ثم الجزء الثاني او التالي او تكملة لما قبله وهكذا ….
مقال جيد وثمين يفتح أبواباً كبيرة لمعرفة الشخصية الفارسية الكسروية البويهية الصفوية الخمينية الخامنئية….!
تحياتي
قدّمت لنا المفكرة العربية سميرة بن رجب، في مقالها المعنون “إيران وسيكولوجية عابر الطريق”، قراءة فكرية لافتة تتجاوز التفسيرات السياسية المباشرة للسلوك الإيراني، لتبحث في طبقاته التاريخية والثقافية والنفسية العميقة.
وعقب الانتهاء من قراءة المقال، أظن أن جوانب عدة فيه ستستوقفني، كما ستستوقف غيري، وتدفعنا إلى إعادة قراءته بمزيد من التأمل. فمن أبرز ما يلفت النظر أن سميرة بن رجب لم تتوقف عند التحليل الجيوسياسي التقليدي القائم على المصالح وموازين القوى، بل استعانت بمدخل أنثروبولوجي ونفسي وثقافي. وهذه زاوية تمنح المقال تميّزه؛ لأنها تنقل النقاش من متابعة السلوك الإيراني في لحظته الراهنة إلى البحث في البنية الذهنية العميقة التي تقف خلفه.
ويمثل مفهوم “سيكولوجية عابر الطريق” الفكرة الأكثر ابتكاراً في المقال؛ فقد نجحت الكاتبة في تحويل الموقع التاريخي والجغرافي لإيران، بوصفها واقعة عند ملتقى حضارات وأقوام وصراعات، إلى مفتاح لفهم الشعور الدائم بالعبور والمواجهة وعدم الاستقرار. كما تختزل عبارتها: “الحياة جسر يعبرونه، وليست بيتاً يسكنونه” هذه الفكرة في صورة مكثفة ذات قدرة تفسيرية عالية.
ومن أبرز نقاط قوة المقال أيضاً قراءة الشاهنامة، لا بوصفها عملاً أدبياً ملحمياً فحسب، وإنما باعتبارها مستودعاً للذاكرة الفارسية، وأداة لإعادة إنتاج الهوية والرموز وصور البطولة والشرعية. وهذا الربط بين النص الأدبي وبناء الوعي السياسي يضفي على المقال عمقاً يتجاوز القراءة العابرة للأحداث.
ويطرح المقال بذكاء فرضية مفادها أن الصراع مع الآخر قد لا يكون دائماً مجرد استجابة لتهديد خارجي، بل قد يتحول إلى أداة داخلية لإثبات الذات، وتدعيم الهوية، والمحافظة على تماسك السلطة. وتبلغ هذه الفكرة ذروتها في التساؤل الختامي: هل تواجه إيران خصوماً حقيقيين فحسب، أم أنها تمارس أحياناً “صناعة العدو” باعتبارها وسيلة للبقاء وإثبات الوجود؟ وتكمن قوة هذا السؤال في أنه يفتح مجالاً واسعاً للبحث، من دون أن يفرض على القارئ إجابة مغلقة.
ويُحسب لسميرة بن رجب كذلك وعيها بحدود المقال؛ إذ تصرّح بأن ما قدمته ليس دراسة نهائية، بل “قواعد أولية” لتحليل يحتاج إلى توسع علمي. ويدل هذا التحفظ المنهجي على نضج فكري؛ لأنه يقدّم الأطروحة بوصفها فرضية جديرة بالاختبار والتطوير، لا حقيقة مكتملة أو حكماً قطعياً على مجتمع شديد التنوع والتعقيد.
وإذا كان المقال قد ترك بعض الأسئلة مفتوحة، فإنه بذلك يكون قد نجح في أداء إحدى أهم وظائف المقال الفكري: اقتراح زاوية جديدة للرؤية، وزعزعة التفسيرات الجاهزة، ودفع القارئ إلى إعادة التفكير في ظاهرة اعتاد النظر إليها من منظور سياسي مباشر فحسب.
ولا يفوتني أن أشير إلى أن المقال جعلني أشعر بأنني أمام نص ذي طاقة مرجعية متعددة الأبعاد، لا أمام مقالة صحفية تقليدية. فقد استطاعت المفكرة سميرة بن رجب أن تجمع، في مساحة محدودة، بين حقول معرفية متعددة، وأن توظفها في بناء مقاربة تفسيرية متماسكة للشخصية السياسية والثقافية الإيرانية.
ومن هنا، فإن قيمة المقال لا تكمن في المعلومات التي يعرضها فحسب، بل في شبكة العلاقات التي يقيمها بينها، وفي المفاتيح التحليلية التي يقدمها للقارئ، وفي مقدمتها مفهوم “سيكولوجية عابر الطريق”. إنه نص لا يكتفي بأن يخبرنا ماذا تفعل إيران، بل يحاول تفسير الكيفية التي تشكّلت بها رؤيتها إلى ذاتها وإلى الآخر، ولماذا ظل الصراع حاضراً في سرديتها التاريخية والسياسية.
ولهذا يبدو المقال أقرب إلى مقدمة مركّزة لمشروع بحثي واسع، أو إلى خريطة فكرية أولية تستحق أن تُفكك محاورها، وتُختبر فرضياتها، وتُطوّر في دراسة أكاديمية مستقلة.
مقال رائع لكنه غير مكتمل كما اشرت حضرتك.
حبذا لو يعطون لحضرتك مساحة أكبر كي تفيضي في غوص في هذا المصدر المهم الذي يعتبر مصدر تربوي الزامي في كل المراحل الدراسية.