خلال أكثر من مائة يوم، من الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في الشرق الأوسط، تكشفت حقائق لم يُعلن عنها في قائمة أهداف الحرب أو أسبابها، واكتملت أركان لعبة الحرب التي تُحَدِّد مصالح الأطراف المتحاربة على المدى القريب والبعيد؛ ولكن لم تنتهي الحرب ذاتها التي تظهر في المؤشرات الاستراتيجية بأنها قد تبقى تهديداً “مُداراً” على دول الخليج العربي في صورة حرب باردة إقليمية، على نمط الحرب الباردة القديمة، ولكن أكثر سخونة منها… ومن هذه المؤشرات سنحاول هنا الأجابة على بعض الأسئلة المتداولة لإستشراف الدور القادم للصراع الدولي والإقليمي في المنطقة، في إطار لعبة المصالح والنفوذ.

السؤال الذي يتردد كثيراً هو: هل انسحاب أمريكا من المنطقة سيكون حلًا لأزماتها؟ أم سيخلق فراغًا يملأه لاعبون أكثر خطورة؟

الجواب هنا يحمل موضوعية شديدة، أي لا يعني بأي شكل من الأشكال أن يكون دفاعاً عن الوجود، أو عدم الوجود، الأمريكي في المنطقة، بل هو إجابة عميقة على سؤال يلامس فكرة طالما شغلت المفكرين.

الإجابة المباشرة على سؤالنا هي إنه من المؤكد إن الانسحاب الأمريكي من المنطقة سيخلق فراغً أمنياً خطيراً سيمتلئ بمكون آخر، قد يكون أكثر خطورة. ففي ظل ظروف تغوّل دول الجوار الإقليمي، وتصاعد الصراع والتنافس بينها على فرض النفوذ والهيمنة، لن تبقى المنطقة العربية، ذات الثراء الاقتصادي والأهمية الجيوسياسية، في حالة فراغ أمني، دون أن تُملأ بإحدى هذه القوى، كما حصل بعد سقوط بغداد؛ بل سيكون حجم إحلال أيٍ من القوى الإقليمية في الفراغ بمقدار ثقل كتلته، وعناصر قوته، وسعة نفوذه وحلفاؤه؛ بينما لن تختفي أمريكا كلياً، بل ستتحول من شرطي واضح إلى مُحَرِّضٍ خفي. وهذه السياسة الأمريكية لها أسماء في الأدبيات الاستراتيجية، مثل “الاستنزاف بالوكالة (Proxy Attrition)” أو “إدارة الصراع غير المباشر”، وهي أخطر من الوجود المباشر، من حيث إنها تخفي التكلفة السياسية على أمريكا، وترفع التكلفة الإنسانية على شعوب المنطقة في حروب دموية وتدميرية بالوكالة، وأيضاً تخلق فوضى دائمة قابلة للتصعيد.

من هم “اللاعبون الأكثر خطورة” الذين سيملؤون الفراغ؟

إذن، ما هو مؤكد، إن في جميع الأحوال، أمريكا لن تترك المنطقة فارغة، بل ستدفع ببعض اللاعبين لملئها بطريقة تخدم مصالحها. وأبرز هؤلاء اللاعبين هم: 1- إسرائيل؛ الذراع العسكرية الطويلة لأمريكا، التي ستتحول إلى “الوكيل الإقليمي” بغطاء أمريكي، لإبقاء الصراعات مفتوحة مع إيران وأذرعها، واستمرار زعزعة استقرار دول المنطقة… هذا يعني أن إسرائيل لا تسعى لأن تكون الولايات المتحدة الثانية في المنطقة، بل بديلاً عنها في مهمة محددة، وهي إدارة المخاطر بنفسها؛ لكنها في النهاية، ستعتمد في اللحظة الحاسمة على الغطاء والنفوذ الأمريكي. إن إسرائيل الجديدة هي بالفعل اللاعب الأقوى في المنطقة، لكنه يظل بحاجة إلى إمدادات وذخائر ودعم لوجستي من حليفه الكبير خلف الأطلسي… 2- إيران؛ العدو التقليدي والتهديد المُدار، ولكن في سيناريو هذا “الفراغ المُدار” قد تترك لها أمريكا مساحة لتكون “الشرطي الشيعي” في الخليج مقابل اتفاق نووي، لتعميق أزمة النفوذ الميليشياوي في العراق واليمن ولبنان، واستمرار سباق التسلح، والتسلح النووي الإقليمي… 3- تركيا؛ ذات الأجندة الخاصة، واللاعب المتقلب الذي قد تستخدمه أمريكا في مواجهة النفوذ الإيراني… 4- دول مجلس التعاون الخليجي؛ فيما إذا كان لديها مشروعها والرغبة للدخول في هذا المعترك الضاري، وهي تملك المقومات الكبرى والرئيسية لملأ هذا الفراغ.

كيف ستدفع شعوب المنطقة الثمن تحديدًا؟

ستدفع شعوب المنطقة تمناً باهظاً لهذه الاستراتيجية، ليس فقط في الدماء، بل في تدمير طويل الأمد لمقومات الحياة، من خلال اقتصاد الكوارث، والتسليح المفرط والتجويع، وإبادة ثقافية وفكرية، وانهيار التماسك الاجتماعي بتحويل الخلافات السياسية إلى حروب طائفية وعرقية (النموذج العراقي، السوري، اليمني).

ولكن، في نهاية الإجابة بمكن القول إن السيناريو المرجح على المدى المتوسط هو سيناريو الحرب الباردة الإقليمية، في ظل بقاء أمريكي رمزي، مع تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ (إيرانية، تركية، إسرائيلية، خليجية)، بينها صراعات، مع استمرار الفوضى المُدارة، والتهديد المُدار.

هل من مخرج؟

نعم؛ المخرج لا يكمن في رحيل أمريكا أو بقائها، بل في قدرة شعوب المنطقة على بناء بديل إقليمي مستقل؛ بالتكامل السياسي والاقتصادي (سوق عربية مشتركة، عملة موحدة، شبكة طاقة ومياه متصلة)؛ وتطوير أنظمة الحكم بالمزيد من الحريات والمساءلة؛ وبسياسة خارجية مستقلة لا تكون فيها الدول العربية أداة في لعبة القوى الكبرى.

قد يكون هذا المسار صعب ويحتاج إلى عقود، لكنه المسار الوحيد الذي يُخرج المنطقة من دائرة “الضحية الأبدية” للعبة الأمم الكبرى.

هل يمكن أن يتحقق الاستقرار في المنطقة مع نظام دولي جديد؟

بالمنظور التحليلي السابق، أرى أن الاستقرار في ظل النظام الدولي الجديد (إن تحقق) لربما لن يكون حليفاً للشعوب العربية، لأنه سيُبنى على إدارة الصراعات وليس حلها، وإرضاء القوى الكبرى وحلفائها الإقليميين (إسرائيل، إيران، تركيا)؛ وايضاً يُبنى على تجميد الوضع الراهن على حساب الحقوق والكرامة والتنمية العادلة.

إن الاستقرار الذي تحلم به الشعوب العربية (أمن إنسانية، عدالة، حريات، كرامة) لا يمكن أن يأتي من طاولات القوى الكبرى، بل من إرادة داخلية عربية قادرة على إعادة تعريف “الاستقرار” نفسه: من الاستقرار كـغياب الحرب إلى الاستقرار كـوجود حياة كريمة.

فالسؤال الحقيقي ليس: “هل سيكون الاستقرار حليفاً للشعوب العربية؟” بل: “هل لدى الشعوب العربية اليوم من القوة والوعي والإرادة ما يجعلها تصنع استقرارها بنفسها؟

وهنا يجب أن نعرف كيف نفسر مفهوم الإرادة الداخلية العربية، القادرة على تحقيق الاستقرار في المنطقة، وهو مفهوم مُرَكّب يتطلب تفكيكه إلى مكونات قابلة للتحقيق، وليس مجرد شعار عاطفي، ثم التدقيق في العوائق التي تواجهها، ثم سبل تعزيزها، وهذا يعني استقرارًا إنسانيًا وتنمويًا وليس مجرد استقرار أمني.

ويمكن هنا وصف مفهوم “الإرادة الداخلية العربية” بأنه التحول من التبعية إلى الفاعلية، ومن انتظار الحلول الخارجية إلى صنع الاستقرار الذاتي، وهو يتجاوز كونه مجرد رغبة أو أمنية أو دعوة عاطفية. إن الإرادة الداخلية هي قدرة مجتمع منظم على تحديد مصيره الجماعي، وتعبئة موارده لتحقيق أهدافه، واتخاذ قرارات صعبة تتحدى الإكراه الخارجي والمصالح الخاصة؛ تتكون أركانه من الإرادة السياسية، ثم الواقع العربي، والإرادة الشعبية، ثم الإرادة المؤسسية، أي قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها بكفاءة واستقلالية؛ وهناك أيضاً الإرادة الثقافية التي تتكون من منظومة قيم مشتركة تشجع على العمل الجماعي، الابتكار، تَحَمُّل المسؤولية، وتقديس المصلحة العامة.

وهنا سنتجاوز الحديث عن العوائق الرئيسية أمام قدرة الإرادة العربية على تحقيق الاستقرار، ليكون جزءً من تقييم القارئ لمجتمعه عموماً… ولكن أهم سبل بناء وتعزيز الإرادة الداخلية العربية المفقودة أو الضعيفة هو الإدراك بأن البقاء مرتبط بالإصلاح، وبناء المشاريع الوطنية طويلة الأمد، وفك الارتباط التدريجي عن المحاور الخارجية لصالح المصالح الوطنية، والتحول من الاحتجاج العفوي إلى العمل المنظم، وتنويع مصادر الدخل، والتكامل الاقتصادي العربي، ومحاربة الفساد.

في الخلاصة نؤكد بأن الإرادة الداخلية العربية ليست أسطورة، لكنها ليست واقعًا حاضرًا أيضًا. هي إمكانية تاريخية تحتاج إلى قيادات جريئة تضع المصلحة الوطنية فوق مصلحتها الشخصية أو الحزبية؛ وشعوب واعية تدرك أن التغيير يبدأ منها وليس من الخارج؛ وبنية اقتصادية متينة تضع الشعوب في أولوياتها؛ وتكامل عربي حقيقي يحوّل المجموع العربي من 400 مليون مستهلك إلى سوق ومنتج واحد، قادر على التفاوض.

حتى ذلك الحين، سيظل الاستقرار في المنطقة العربية رهنًا بإرادة خارجية، واللعبة الدولية الجديدة ستكون أكثر صعوبة وخطراً مما سبق.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *