بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وتصاعد الصراعات الداخلية، باتت الجمهورية الإيرانية أكثر انكشافاً للخارج، رغم محاولات استمرار التعتيم وإخفاء أحداث الداخل، سواء الغليان الشعبي أو غليان الصراع على القرار والسلطة بين مراكز القوى. وفي ظل تعدد القيادات وتناقض المشاهد الصادرة من إيران في ظروف الحرب والصراع، منذ أكثر من أربعة أشهر، يمكن التأكيد أن في إيران اليوم هيكل سلطة ثنائي معقد، أو هيكل دولتين داخل الدولة الإيرانية، حيث برز الحرس الثوري كدولة عسكرية مهيمنة على القرار وتسير بالتوازي مع، بل وتتفوق على، الدولة المدنية المتمثلة في السياسيين والدبلوماسيين المتصدرين لمشهد القرار، لا سيما فيما يتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية.
الهيكل الجديد للدولة في إيران يُعد مؤشراً رئيسياً على التحول من القيادة الدينية إلى الهيمنة العسكرية، ويشير إلى تحول جذري في هيكل السلطة، حيث الدولة الدبلوماسية/المدنية هو الوجه الرسمي لإيران في المحافل الدولية، ويمثله الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي؛ وأصبح دورهما هامشياً في الملفات الأمنية والعسكرية الحساسة، وفقاً للتقارير، بل وتم توجيههما للتركيز على الشؤون الداخلية والإدارية.
أما دولة الحرس الثوري هو “الظل” القوي الذي يدير خلف الكواليس، ويمتلك ثقلاً هائلاً لا يقتصر على المجال العسكري، بل يمتد إلى الهيمنة على القرار العسكري والأمني الاستراتيجي والقرارات الحاسمة المتعلقة بالحرب والسلم والمفاوضات مع الولايات المتحدة.
كما يتحكم الحرس الثوري في الإمبراطورية الاقتصادية، التي تتكون من شبكة واسعة من الشركات والمصالح الاقتصادية في قطاعات النفط والبناء والشحن والاتصالات، مما يجعله لاعباً محورياً في أي صفقة اقتصادية مستقبلية مثل رفع العقوبات.
وبناء على ما يملكه الحرس من صلاحيات أصبح متفوقاً في السلطة السياسيةواتخاذ القرارات الفعلية، وهو مَن يُقدّم المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، في هذا السياق كشخصية رمزية توافق على القرارات التي يتخذها الجنرالات أكثر من كونها مصدراً للأوامر، خاصة وأنه مصاب وغير قادر على الظهور العلني.
تعقيدات بنية القرار… التفاوض مع مَن؟
في ظل هذا التشخيص الدقيق للوضع الحالي في إيران فمن المؤكد أن المفاوضات الجارية على قدم وساق بين إيران والولايات المتحدة عبر الوسطاء، تسير في دائرة مفرغة. وكما يبدو في المشهد الإعلامي، ليس من المجدي الاعتماد في التفاوض مع الدولة الدبلوماسية فقط، بينما الحرس الثوري يتحرك عسكرياً؛ إذ يظهر في هيئة قيادة المفاوضات تقدّم وزير الخارجية كوجه دبلوماسي رئيسي، بينما الفاعل الحقيقي في المفاوضات هو أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري، ومحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان والقائد السابق في الحرس الثوري.
وتشير التقارير إلى أن عملية صنع القرار في طهران أصبحت بطيئة ومعقدة، حيث لا توجد بنية قيادية واحدة موحدة، ما يجعل الاستجابة للأحداث تستغرق أياماً، وهذا يعكس مدى خطر وجود مركزين للقوة في البلاد، أحدهما رسمي والآخر فعلي، مع تفاوت في قوة القرار.
إن أقوى دليل على عدم الاعتماد على الدولة الدبلوماسية وحدها، وأن الحرس الثوري هو من يملك الكلمة الأخيرة، أو الفيتو العسكري، هو الغاء الحرس الثوري الجولة الثانية من المحادثات مع واشنطن، متجاوزاً رغبة الرئيس ووزير الخارجية اللذين كانا يؤيدان استمرارها… ويتجلى الصراع والتداخل بين السلطتين في ملفات عديدة، مثل رفض الحرس الثوري لقانون مكافحة غسل الأموال (FATF) الذي كان يدعمه الوزير السابق محمد جواد ظريف، والذي كان سيفرض رقابة على الأنشطة المالية للحرس.
في الإطار النظري للسلطة في إيران يمثل هذا الوضع تحولاً من “حكم رجال الدين” إلى “حكم الأمن”، أو ما يشبه المجلس العسكري، حيث أصبح الجنرالات هم صانعو القرار الأساسيون، والمرشد الأعلى الجديد هو “رئيس مجلس الإدارة” الذي يُصَدّق على قراراتهم.
كل ما سبق يؤكد الوصف الدقيق للواقع الراهن، وهي وجود دولتين في إيران؛ حيث الدولة الدبلوماسية موجودة، ولكنها مهمشة ومحدودة الصلاحية، بينما الدولة الفعلية هي التي يقودها الحرس الثوري، والذي يفرض قبضته على القرارات المصيرية ويتحكم في الاقتصاد والجيش والأمن. لذلك، فإن التفاوض مع الجانب الدبلوماسي وحده لا يكفي، لأن أي اتفاق أو وقف لإطلاق النار لن يكون نافذاً دون موافقة وضمانات من قادة الحرس الثوري الذي يمسك بزمام الأمور فعلياً.
التغيير القادم… انقلاب ناعم وإعادة تشكيل السلطة
وهنا يمكن القول من حيث إن الواقع الراهن في إيران يمثل امراً انقلابياً فريداً لن يُكتب له الاستمرار على المدى الطويل، فإن التغيير لا بد أن يكون هو الشغل الشاغل لمراكز القوى الفاعلة في هيكل السلطة… ولابد من التساؤل، هل من المتوقع انقلاب إحدى الدولتين على الأخرى؟؟… والجواب بحسب التقارير والتحليلات المتاحة، هو أن السيناريو المطروح لا يتمثل في “انقلاب” تقليدي لدولة على أخرى، بل هي عملية مستمرة من الاختناق التدريجي للسلطة المدنية من قبل الحرس الثوري، والذي بلغ ذروته بعد الحرب الأخيرة وتحول إلى هيمنة شبه كاملة.
إن ما يحدث ليس انقلاباً عسكرياً مفاجئاً، بل استيلاء هادئ على مفاصل الدولة، حيث يصفه المحللون بـ”الانقلاب الناعم” على القرار السياسي، حيث يقوم الحرس الثوري بهندسة السلطة من الداخل لصالحه بإفراغ مؤسسة الرئاسة من محتواها الفعلي، أي شبه انقلاب صامت، وتحويلها إلى مكتب إداري مُنَفِّذ لأوامر الحرس الثوري، وليس مركزاً للقرار السياسي، حيث تُظهر بعض التقارير أن الرئيس بزشكيان وجد نفسه محاصراً ومجرداً من سلطاته الأساسية، وخاصة في الملفات الأمنية والعسكرية الحساسة.
ويتجلى الانقلاب الناعم في عدة مظاهر، أهمها تغيير الوجوه وصناعة القرار، إذ يبدو أن الحرس يقوم بتعيين شخصيات متوافقة معه في المناصب الحساسة، كما حدث مع تعيين “محمد باقر ذو القدر” كأمين عام للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفاً لعلي لاريجاني، وذلك رغماً عن الحكومة المدنية… بل إن هناك تقارير تفيد بأن الحرس الثوري هدد أعضاء مجلس خبراء القيادة لضمان اختيار “مجتبى خامنئي” كمرشد أعلى، ليكون أكثر انقياداً لتوجهاتهم.
ومن مظاهر الانقلاب الناعم ايضاً إقصاء المدنيين عن صناعة القرار، وخصوصاً الرئيس بزشكيان ووزير خارجيته عراقجي، على الرغم من محاولاتهما لنهج أكثر براغماتية، إلا أنه تم تهميشهما بشكل متزايد، كما حدث في إعلان الوزير إعادة فتح مضيق هرمز، ونقض الحرس الثوري قراره في اليوم التالي مع إعلان استمرار إغلاقه، مما يوضح أين تكمن السلطة الحقيقية.
لربما أوضح حادثة تثبت شلل القرار الرئاسي في الدولة الإيرانية اليوم هو ما تم تداوله حول حادثة اعلان الرئيس بزشكيان وقف الهجمات على الدول المجاورة، لكن الحرس الثوري نفذ هجوماً بعد ذلك بدقائق، وأصدرت قنوات مرتبطة به بياناً مفاده أن “الرئيس أخطأ، تجاهلوا كلماته”… هذه الحادثة تجسد بوضوح أن السلطة العسكرية قد تجاوزت السلطة السياسية في أعلى مستوياتها.
دولة الحرس الثوري: القوة الفعلية بلا منازع
في المقابل، أصبح الحرس الثوري هو القوة الفاعلة والمهيمنة، وخاصة بعد اغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي وتولي نجله مجتبى، حيث يُنظر إلى المرشد الجديد على أنه “حاكم رمزي” أكثر منه صانع قرار فعلي، بعد أن انتقلت السلطة التشغيلية إلى أيدي قادة الحرس الثوري، مما جعله دولة موازية تتفوق على الدولة الرسمية في كل المجالات الحيوية.
لماذا لا يحدث انقلاب رسمي؟
رغم كل هذا يبقى من غير المرجح أن يقوم الحرس الثوري بانقلاب علني للإطاحة بالرئيس أو الحكومة، وذلك للأسباب التالية: أولاً: الحفاظ على الشرعية، حيث الرئيس المنتخب يوفر غطاءً من الشرعية للنظام، ويُستخدم كـ”درع” لامتصاص الغضب الشعبي إزاء الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية، وهو ما يحمي الحرس الثوري من مواجهة مباشرة مع الشارع… ثانياً: تفادي زعزعة الاستقرار، حيث انقلاب علني قد يهدد الاستقرار الداخلي ويزيد من العزلة الدولية والعقوبات، مما يكلّف النظام ثمناً باهظاً في ظل أزمة اقتصادية خانقة وضغوط خارجية… وثالثاً: لاستمرار النفوذ، حيث الوضع الحالي يخدم الحرس الثوري بشكل مثالي؛ فهو يمتلك السلطة الفعلية دون تحمل المسؤولية الكاملة عن تداعيات الأزمات، والتي تقع على عاتق الحكومة المدنية الظاهرية.
دولة الحرس الثوري” في المقدمة
هذه التطورات أدت إلى تحول جذري في بنية السلطة في إيران، من حكم رجال الدين إلى حكم العسكر، ويوصف بأنه تحول تاريخي من نظام تقوده مؤسسة دينية (ولاية الفقيه) إلى نظام الحرس الثوري، الذي أصبح المسيطر الفعلي على القرارات السياسية والعسكرية والاقتصادية الرئيسية.
أما المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، يظهر، حتى الآن، كشخصية رمزية بيد الحرس الثوري، الذي يضمن بقاءه في منصبه، وهذا يعكس تحولاً في ميزان القوى لصالح الجنرالات، وانتهاء مرحلة النظام المزدوج الذي كان سائداً.
بخلاصة موجزة، إن ما نشهده في إيران اليوم هو الانتقال من نظام “ثيوقراطي” إلى ما يشبه “أوليغارشية عسكرية”، حيث يمسك الحرس الثوري بزمام الأمور ويختار الوجوه التي تخدم أجندته، بينما تبقى المؤسسات المدنية واجهة شكلية لإضفاء الشرعية، وإن الانقلاب لم يعد بحاجة لإزاحة النظام، بل أصبح هو النظام نفسه، مع إعادة تدوير الوجوه واستبدالها بأخرى أكثر ولاءً وتطرفاً لضمان استمرار هيمنته.
ولكن يا ترى هل الولايات المتحدة لاتزال تتفاوض من السلطة الدبلوماسية التي لا تملك القرار في إيران؟
الإجابة الواضحة على هذا السؤال، ولربما توضح سيرورة الأحداث القادمة في الحرب والمفاوضات المرافقة لها بين الطرفين…
القناة العسكرية المباشرة… إنجاز رئيسي في المسار التفاوضي
أحد أهم التطورات في عملية المفاوضات هو ما أعلنه نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، حيث وصف الاتفاق المبدئي على إنشاء قناة اتصال عسكرية مباشرة بين الحرس الثوري الإيراني والقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بأنه أحد أكبر الإنجازات التي تحققت في مفاوضات سويسرا؛ وهذه القناة ستتخذ من الدوحة في قطر مقراً لها، وتستهدف منع التصعيد العسكري وحل النزاعات بشكل مباشر بين الطرفين.
هذه الخطوة تعكس حقيقة أن الولايات المتحدة تتعامل مع قيادة الحرس الثوري كشريك تفاوضي رئيسي، خاصة بعد مقتل المرشد علي خامنئي… مما يؤكد على عدم مركزية السلطة في إيران، وإن تحديد الشخص المخول باتخاذ القرار النهائي يعد أكثر تعقيداً.
وتتراوح وجوه الحرس الثوري في المفاوضات ما بين محمد باقر قاليباف، كأحد أقوى الشخصيات وأكثرها نفوذاً في إيران اليوم، وبين أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري العام، ومركز القوة الرئيسي المسيطر على الهيكل العسكري، ويُعتقد أنه يتخذ القرارات الحاسمة خلف الكواليس ويوجه المسار التفاوضي… كما يبدو أن الدبلوماسيين المدنيين، وعلى رأسهم الرئيس ووزير خارجيته، يعانون من التهميش التدريجي.
تحديات موثوقية أي اتفاق
وعلى الرغم من هذا التحول نحو التعامل مع الحرس الثوري كشريك رئيسي، إلا أن الفوضى في صنع القرار داخل إيران تطرح تحدياً كبيراً أمام الولايات المتحدة، إذ يرى المحللون أن تعدد مراكز القوى داخل الحرس الثوري نفسه يعني أن “من يوقع الصفقة لا يمثل بالضرورة الجميع، بل يوقع نيابة عن نفسه”، وهذا يضعف الثقة في قدرة أي طرف إيراني على الالتزام الكامل بالاتفاقات طويلة الأمد، حيث يمكن لمركز قوة آخر أن ينسفها أو يتخذ خطوات تصعيدية لتقويضها.
وأخيرا، تجد خلف كل ملف إيراني واقعاً جديداً ينسف ما سبقه، ويخلق حالة أكثر غموضاً وظلاماً، ومثيراً لتساؤلات جديدة: يا ترى كيف يمكن أن تبني هذه الدولة أي نوع من أنواع الثقة مع أية دولة أخرى؟ وكيف يمكن تحديد موثوقيتها في أي اتفاق تفاوضي معها؟
المراجع
- 1. IRGC Influence Rises as Mojtaba Khamenei’s Role Declines
- 2. The Generals Who Are Now Running Iran – The New York Times
- 3. Analysis-Iran’s Guards seize wartime power, blunting Supreme Leader’s role – ThePrint – ReutersFeed
- 4. Iranian Guards’ Business Empire to Win Big if U.S. Sanctions Lifted
- 5. Iran’s internal power struggle deepens amid escalation in Middle East
- 6. Iran’s Revolutionary Guards tighten grip on power as civilian leadership sidelined | Euronews
- 7. Soft Coup Or Power Play? Why Iran’s Ghalibaf Is Facing Pushback From IRGC | Exclusive | World News – News18
- 8. With Mojtaba Khamenei a ‘symbolic sovereign’, who is running Iran? – ABC News
- 9. Who Is Mohammad Bagher Zolghadr, Iran’s New Security Chief
- 10. Yoni Ben Menachem’s Blog – Iran Shifts to a Military Dictatorship
- 11. US-Iran agree to setup direct channel with IRGC to de-escalate conflict, says VP Vance – Newswatch (Nigeria)
- 12. US VP JD Vance calls IRGC-CENTCOM direct communication mechanism biggest breakthrough of Switzerland talks
- 13. US and Iran Agree to Establish Direct Communication Channel With Revolutionary Guard, Says JD Vance – Daily Qudrat English
- 14. Trump says the Iran nuclear deal is over and threatens new strikes | Fox News
