في مؤلفها الموسوعي “الفرس… إيران في العصور القديمة والوسطى والحديثة- 2009 ،Homa Katouzian by Yale University Press)”، كتبت هوما كاتوزيان “إن كتابة تاريخ تحليلي لإيران قد تؤدي مجازياً إلى عقاب مشابه لما قاله سعدي (هو الشاعر الإيراني سعدي شيرازي، عندما اقتبس مقولة أحد وزراء الامبراطور الساساني، أنوشروان {أن تكتب رأياً لا يسمح به الحاكم هو أن تسفك دمك بيديك})، قد لا يصل الأمر في الواقع إلى إراقة دم حقيقي، بيد أن هناك مجازفة في إراقة الدم المعنوي والفكري وحتى السياسي على ساحة الاختلاف في الرأي والنقاش والنقد…” (ترجمة أحمد حسن المعيني- 2014 لبنان)، وهنا تعبّر المؤلفة الإيرانية عن حقيقة، غير متداولة كثيراً، حول المجازفة بكتابة تاريخ “الفرس”، الذي تعد من الصعوبة التي تصل إلى درجة المستحيل، لأن ما يتوفر من مصادر لهذا التاريخ يأخذ الباحث إلى كهوف مظلمة لا قرار لها، وإلى دهاليز من الاساطير والخرافات المدمجة مع بعض الوقائع دون أي فواصل بينها، ولعل الباحث الايراني هو الأكثر معرفة بخطورة الدخول في هذه المجازفة.

وهنا تؤكد المؤلفة هوما كاتوزيان هذه الحقيقة بقولها إنه حتى “وقت كتابة هذه السطور (2009) ما زالت إيران طرفًا مثيرًا للجدل في المجتمع الدولي، لدرجة أن كل دولة وعرق ومجتمع له رأي خاص في إيران قد يكون شديد الاختلاف مع آراء الآخرين. بل إن الإيرانيين أنفسهم منقسمون جدًا، سواء أولئك في داخل إيران أم في المهجر الإيراني، وكل مجموعة وطبقة لها تصوّرها الخاص عن هذا البلد وتاريخه، والذي يختلف بدرجة أو بأخرى عن تصورات الآخرين” (المصدر السابق).

وبناءً على هذه الحقيقة التي يؤكده الفرس بأنفسهم، يمكن وصف تاريخ علاقة إيران مع العرب بـ”علاقة معقدة”، تتأرجح بين التقارب والصراع على مدى آلاف السنين؛ وإن جذور هذا التعقيد غير معروفة، عدا في بعض السرديات الفارسية دون توثيق علمي؛ أي هي سرديات غير علمية يحفظها ويتداولها الفرس فيما بينهم، مما يجعل من الصعب الحصول عليها من المحافل غير الفارسية.

وفي الجانب الآخر، بمقدار ما يتم وصف هذه العلاقة بأنها ليست قَدَراً تاريخياً حتمياً، بل هي نتاج ظروف سياسية نسبياً، إلا أن الوقائع تؤكد أن هذه العلاقة المعقدة قدر تاريخي حتمي، مما يتطلب البحث في جذورها واستيعاب تفاصيلها، ودراستها كحالة سوسيوانثروبولوجيه، عسى أن يُستنتج منها ما يجنبنا المزيد من الحروب والصراعات المستمرة منذ نشأة دولة الفرس، وبدء الجوار الجغرافي.

وهنا نتلمس سؤالنا المحوري: لماذا هذا العداء الإيراني المستمر تجاه العرب، رغم أن العرب لم يملكوا، ولا يملكون، مشروعاً وجودياً أو غيره، ضد إيران، بل هم في موقف دفاعي دائم؟

ولماذا تمارس إيران العداء مع جيرانها العرب، في غرب وجنوب حدودها، وتمارس البراغماتية والدبلوماسية مع جيرانها الآخرين، في شرق وشمال حدودها؟

العداء العرقي والديني كان الأساس

بدأت العلاقة بين الفرس والعرب منذ العصر الأخميني (625 ق.م.)، أي قبل ما يقارب ثلاثة آلاف عام (عمر الدولة الفارسية)، وقد اتسمت في معظمها بالتفاعل المستمر، حيث كان الفرس ينظرون إلى العرب كقبائل؛ وكحلفاء محتملين تارة، وكقوة بحاجة للردع تارة أخرى، بهدف الهيمنة والصراع على النفوذ.

مع مجيء الساسانيين (224 ق.م.) وقيادة الملك شابور الثاني، استمرت سياسة النفوذ الفارسي في منطقة الخليج العربي بحملات هجومية، وسياسات فرض النفوذ عبر القبائل العربية، وأبرزهم المناذرة، وهم سلالة عربية حاكمة (بلاد الرافدين)، حاربوا ضد البيزنطيين، ووقعوا تحت هيمنة الساسانيين… ويبرز من هذه الفترة أن الصراع من الجانب الإيراني كان على النفوذ، كما كان قائماً على عداوة عرقية ودينية.

يمكن إيجاز نمط العلاقة وصيرورتها هنا، بأن العداء بين إيران والعرب بدأ تاريخياً نتاج ظروف سياسية وإيدلوجية وعرقية، وكان محورها بناء الدولة الفارسية الأولى، بخلفية تاريخية تتضمن صراعات وتحالفات. إلا أن التحول الجذري في هذه العلاقة حدث مع ظهور الإسلام، ووصوله إلى بلاد فارس بعد إسقاط الدولة الساسانية في المدائن (بلاد الرافدين)، مما حوّل التنافس إلى صراع أعمق حول الهوية والشرعية والنفوذ.

إن نمط السلوك الإيراني العدائي الذي يظهر دائماً وكأنه سعي دائم نحو الهيمنة ورفض العيش بسلام مع العرب، هو نتيجة معقدة لعوامل تاريخية وسياسية وأيديولوجية عميقة من صنع العقل الفارسي، تحول إلى قَدَرٍ تاريخي حتمي.

إيران ليست دولة “عاقلة” بالمفهوم العربي للعقلانية، بل دولة تعيش حالة من “البارانويا التاريخية”، تمزج بين الخوف الوجودي والطموح الإمبراطوري، وهذا ما يجعلها تتصرف بعدوانية تجاه العرب، رغم عدم وجود أي مشروع عربي ضدها… والعرب في هذه المعادلة هم ضحايا استراتيجية إيرانية مرسومة، لا ردود فعل على تهديدات عربية.

من العصر الإمبراطوري إلى الجمهوري الاسلامي

إذن السلوك الإيراني تجاه العرب هو امتداد لـ شعور إمبراطوري متجذّر في المخيال الفارسي، يمكن تتبعه منذ نشأة الدولة الفارسية، عبر العصور الفارسية القديمة (من الأخمينية حتى الساسانية)، ونظرتها إلى العرب كقبائل هامشية، وكانت تسعى لفرض سيطرتها على طرق التجارة والموارد في الجزيرة العربية والخليج. امتدت هذه الحروب والصراعات إلى العصر الصفوي (1501 – 1736) الذي استُخدِمَ فيه المذهب الشيعي كأداة سياسية لتمييز الصفوية عن الخلافة العثمانية السنية، وإعادة إنتاج العداء تجاه العرب كحاضنة للسنة، فجعلت من “العداء للعرب” جزءاً من هويتها الدينية والسياسية… وصولاً إلى الفترة البهلوية (1925- 1979)، التي استمرت فيها النزعة الفارسية القومية، مع تخفيف العداء المذهبي والتركيز على الهيمنة الجيوسياسية في الخليج العربي… ثم مشروع الثورة الإسلامية (1979)، القائمة على نظرية “المستضعفين” و”تصدير الثورة”، الذي اعطى للعداء غطاءً ايديولوجياً جديداً (ديني)، وأعاد انتاجه بصورة أكثر تطرفاً.

الجمهورية الإسلامية… مشروع ايديولوجي

رسم نظام الثورة الإسلامية أيديولوجية تصدير الثورة كمشروع سياسي كوني، واستمر وتحول إلى استراتيجية الدولة بهدف نشر النفوذ والهيمنة على المجتمعات الإسلامية، واعتبار النظم العربية، خاصة المَلَكيات الخليجية، غير شرعية، ويجب إسقاطها.

ومن أجل هذا الهدف أعادت إيران تعريف الصراع ليس كصراع قومي (فارسي-عربي)، بل كصراع بين “المستضعفين” و”المستكبرين” بحسب مصطلحاتها، وفي هذا الإطار جعل من العرب، وخاصة الخليجيين، عدواً أيديولوجياً، وليس مجرد جار، واعتبارهم نموذج للنظام “غير الإسلامي” الذي يجب محاربته.

التفسير الجيوسياسي… الهيمنة الإقليمية

بغض النظر عن الأيديولوجيا، فإن إيران تنظر إلى المنطقة من منظور صِفْرِي، أي أن أي مكسب للعرب هو خسارة لإيران، والعكس صحيح… كما تعتبر محيط الخليج العربي هو منفذ إيران الحيوي للنفط والغاز، وأي هيمنة عربية عليه تهدد المصالح الحيوية الإيرانية.

وتمكنت إيران بعد احتلال العراق من نشر نفوذها المهيمن الأكبر اتساعاً في المنطقة العربية (العراق، سوريا، لبنان، اليمن)، فيما أطلق عليه بـ”الهلال الشيعي” كمشروع استراتيجي مكتمل يحقق العمق الجغرافي والتفوق الديموغرافي في مواجهة العرب، ويكسر الحصار الجيوسياسي المفروض عليها.

من كل هذا السرد يمكن استنتاج الرؤية الإيرانية الحديثة لجيرانها العرب، بأنهم ليسوا قوة منافسة فقط، بل هم “الذراع” القوي لأعدائها في المنطقة، لذا يجب إضعافهم وتفكيكهم عبر إشعال حروب داخلية وإدامة الصراعات المذهبية.

تفسير المنطق الإيراني المختلف

يؤكد المؤرخون من زاوية المنطق العربي، أن العداء الفارسي التاريخي ضد العرب يبدو غير منطقياً، حيث إن العرب، عبر التاريخ، لم يملكوا مشروعاً ضد إيران.

لكن المنطق الإيراني، كما يفسره أغلب مَن حاولوا دراسة السلوك الإيراني الحديث، فهو يقوم على أن إيران تؤمن بأن العرب والغرب يعملون معاً لتدميرها… وإنه، حتى لو لم يفعل العرب شيئاً، فهي تتعامل معهم وفق “مبدأ الشك” و”العداء المسبق”، وهذا نابع من نظرية الشك والتهديد الوجودي الدائم في العقل الفارسي.

بجانب إن مشروع الهيمنة لا يحتاج إلى عداوة مسبقة، بل إلى استغلال الفرص؛ وأن إيران تنظر إلى العالم العربي كفضاء مليء بالثغرات، فتتدخل لاستغلال الفرص من خلال هذه الثغرات دون انتظار تهديد عربي.

وبالمحصلة يمكن قراءة العداء الإيراني للعرب بأنه امتداد للشعور الإمبراطوري الفارسي القديم، وأنه “أسلوب حياة” في كل نظام حاكم في إيران، و”نمط اجتماعي” في الفكر الفارسي… وبحسب المناهج الدراسية الإيرانية، ومنهجياتها الثقافية، هذا العداء يمنح الشرعية للنظام الإيراني داخلياً، ويوحد الإيرانيين خلف قيادتهم، ويبرر التضحيات الاقتصادية… ولو توقف العداء، لتوقف النظام.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *