تؤكد وقائع مذكرة التفاهم، التي أُبرمت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إن التحليلات المتعمقة حول دور إيران القادم في المنطقة يحمل قدرًا كبيرًا من المنطق الاستراتيجي. فالاتفاق، كما هو موثق، يبدو أشبه بإطار يُبقي على دور إيران كـ”تهديد مُدار”، بما يخدم استمرار المظلة الأمنية الأمريكية وعوائدها الدفاعية.

النظرة إلى إيران كـ”تهديد مُدار” تفسر بدقة متناقضات مذكرة التفاهم. فالاتفاق يمنح إيران إعفاءات اقتصادية كبيرة فورية، تشمل صادرات النفط والخدمات المصرفية، مقابل التزامات نووية مؤجلة إلى مفاوضات مستقبلية. هذا الهيكل يضمن بقاء القضية الإيرانية مفتوحة، ويبقي على حالة التوتر التي تبرر الوجود العسكري الأمريكي.

الجانب الأكثر وضوحًا في هذه الاستراتيجية هو ضمان استمرار تدفق السلاح الأمريكي لحماية المنطقة من “التهديد المُدار”، وهو ما يظهر بوضوح في الارتفاع القياسي في المبيعات العسكرية المتمثل في الصفقات التي وافق الكونجرس الأمريكي عليها، بقيمة تجاوزت 45 مليار دولار لدول الشرق الأوسط في الربع الأول من عام 2026 وحده، وهو ما يعكس الطلب المتزايد على الأسلحة في ظل الحرب.

كما أن بدون “التهديد الإيراني المُدار”، كان من الصعب، سياسياً واستراتيجياً، تبرير النفقات الدفاعية المتصاعدة للدول الخليجية، التي ظهرت في صفقات سلاح ضخمة.

ومع ذلك، يشير تحليل النصوص إلى تطور جديد، فالاعتماد على المظلة الأمريكية أصبح موضع تساؤل جدي من قبل دول الخليج نفسها، بعد أن أظهرت بعض أحداث الحرب الأخيرة محدودية قدرة هذه المظلة على الحماية الفعلية. وهذا القلق لا بد أن يدفع دول الخليج إلى بدء مناقشات حول تنويع شركائها الأمنيين وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. ومع ذلك، يظل البناء العسكري الأمريكي الضخم في المنطقة عائقًا أمام تحول استراتيجي سريع.

كما يبدو أن مذكرة التفاهم صُممت لتؤدي وظيفة مزدوجة، وهي الحفاظ على التهديد المُدار من خلال تأجيل القضايا الجوهرية وإبقاء إيران في حالة توتر واعتماد اقتصادي، مما يضمن استمرار تدفق الأسلحة إلى الحلفاء واستمرار المظلة الأمنية. وفي الجانب الآخر التكيف مع واقع جديد يمثله الاتفاق الذي يعترف ضمنيًا بفشل استراتيجية “الضغط الأقصى” والحرب الشاملة، حيث اضطرت الولايات المتحدة لتقديم تنازلات اقتصادية كبيرة لإنهاء الحرب التي أثّرت سلبًا على حلفائها.

في النهاية، يبدو أن الولايات المتحدة تسعى لتحقيق ما يشبه “النصر المُدار” بإنهاء مواجهة عسكرية مكلفة مع إيران، مع الاحتفاظ بإيران كأداة للضغط ومبرر لاستمرار النفوذ، حتى لو كان هذا النفوذ نفسه بدأ يظهر علامات التآكل في نظر حلفاء المنطقة.

بقي سؤال يتداول كثيراً، بل هو توقعات وتحليلات أكثر منها سؤال، ولكنها مبنية على حقيقة الواقع الهش الذي خلفته الحرب، ومضمون مذكرة التفاهم الذي أوقف إطلاق النار بعد قتال غيّر المشهد الجيوسياسي الإيراني… السؤال هو هل فعلاً تعد مذكرة التفاهم عبار عن هدنة، لتعود الحرب بعد انتهاء الانتخابات الأمريكية النصفية في شهر نوفمبر القادم؟ أم سيبقى الحال على ما هو عليه؟؟؟

الجواب المباشر هو نعم، من المحتمل جدًا أن تعود الحرب أو يشتد التصعيد بعد الانتخابات الأمريكية النصفية في نوفمبر 2026، ولكن ليس بالضرورة بالطريقة التي بدأت بها… إذ إن المتاح من التقارير الإخبارية تشير إلى أن نتيجة الانتخابات نفسها هي التي ستحدد مستقبل السياسة الأمريكية تجاه إيران، وليس العكس، مما قد يغير جذريًا المشهد الذي نشهده اليوم.

بحسب تحليلات معهد بروكينغز، فإن الحرب على إيران أصبحت “غير شعبية بشدة” بين الناخبين الأمريكيين، وتضر بتصوراتهم لأداء الرئيس ترامب الاقتصادي (بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم). وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نسبة المعارضة للحرب باتت تشكل عبئًا سياسيًا ثقيلًا على الحزب الجمهوري قبل الانتخابات.

إذن المشهد المتوقع وفقًا لهذه التحليلات هو أن الانتخابات النصفية قد تؤدي إلى تحولٍ جذري في إدارة الملف الإيراني، وليس إلى مجرد تغيير سياسي.

مما يؤكد أن العودة إلى الحرب ليست من المشاهد المرجحة بشدة، بل على العكس، قد تكون الانتخابات هي السبب الذي يجبر الإدارة الأمريكية على الالتزام بالهدنة وتجنب العودة إلى القتال، لأن أي تصعيد جديد سيزيد من الخسائر.

إذن المشهد الحالي ليس ثابتًا، بل هو سباق محموم بين ثلاثة عوامل رئيسية وهي 1- عامل الانتخابات النصفية في نوفمبر، و2- العامل الاقتصادي المتأزم، و3- العامل الدبلوماسي المعقد حول القضايا الجوهرية، البرنامج النووي ورفع العقوبات، والذي قد تستغرق سنوات لحلها.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن سقف التوقعات قد تغير، فالمذكرة الحالية ليست سلامًا، بل مجرد “استراحة” لإعادة التموضع. والسيناريوهات المحتملة لعودة الحرب، أو تغير المشهد، تتراوح ما بين نتائج الانتخابات، وحسابات التكلفة الاقتصادية، والضغوط الاقتصادية التي من المرجح أن تكون سبباً في تمديد الهدنة.

إن استغلال إيران كورقة سياسية وأمنية بات أمر شبه مؤكد، ولكن فيما يتعلق بالانتخابات الأمريكية، فإن الواقع الذي تعيشه الإدارة الأمريكية الآن يزيد من احتمالية أن تؤدي انتخابات نوفمبر إلى تقييد الخيارات العسكرية الأمريكية، بدلاً من أن تكون شرارة لعودة الحرب. التغيير الحقيقي المرتقب ليس تصعيدًا، بل تحولًا في طبيعة “التهديد المدار” من أداة لزيادة المبيعات العسكرية إلى ورقة ضغط سياسي واقتصادي معقدة داخل الولايات المتحدة نفسها… وعلى دول المنطقة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *